وقد سبق القول أن كل اختلاف في الفروع مبعثه تمسك المختلفين كل منهم بدليل يخالف دليل الآخر مما يحمله على تأويل وتوجيه دليل الخصم.
ففي تأويل عمر لقسمة السواد رأينا تعارض الأمر بقسمة أربعة أخماس الغنيمة المقاتلين والمستفاد من فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام في أرض خيبر"عند من يقول بإفادته الوجوب"رأينا تعارضه مع مصلحة الأمة الحقيقية، أو تعارض مصلحة فئة خاصة وهم المقاتلون مع مصلحة سائر الأمة فرأى عمر تقديم المصلحة العامة الحقيقية للأمة على مصلحة فئة خاصة تبعًا للقاعدة الشرعية الثابتة بالاستقراء"يتحمل الضرر الخاص من أجل الضرر العام".
وكذلك رأينا تعارض الأمر بقطع يد السارق مع النصوص القاضية بإباحة مال الغير للمضطر، فخص عموم الأمر بالقطع بغير حالة الاضطرار و هو نوع تأويل.وسيأتي إن شاء الله تفصيل الأدلة الموجبة للتأويل وشروطها وضوابطها مع التمثيل لكل منها بمثال في مبحث دليل التأويل.
وخلاصة القول:
أن دافع التأويل عند الصحابة وغيرهم هو وجود التعارض بين أدلة شرعية معتبرة، والتعارض"هو تقابل الحجتين المتساويتين على وجه يوجب كل واحدة منهما ضد ما توجبه الأخرى كالحل والحرمة والنفي والإثبات" (1) ، والتعارض واقع في حقنا وعلمنا لجهلنا بالتاريخ أي تاريخ ورود الدليلين المتعارضين وليس تعارضا في حكم الله.
ولتحقق التعارض الموجب للتأويل لا بد من وجود شروط نذكرها بإيجاز شديد (2) .
1.أن يكون كل من الأدلة المتعارضة حجة يصح التمسك به، فلا يوجد تعارض عند فوات وصف الحجية بين الطرفين المتخالفين.
(1) أصول السرخسي 2/12.
(2) انظر: البزرنجي عبد اللطيف عبد الله عزيز: التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية 2/332.