ثم قال ابن القيم تعقيبًا على الكلام السابق"… فلا يقال: أن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي عدل الله ورسوله، فقد أمر - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمر بأن يحرق الثوبين المعصفرين (1) وأمر يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الإنسية ثم استأذنوه في غسلها فأذن لهم (2) ، فدل على جواز الأمرين لأن العقوبة لم تكن واجبة بالكسر وهدم مسجد الضرار لذلك (3) (4) ."
المطلب الثامن:
الحامل على التأويل عند عمر والصحابة والعلماء
من خلال تعريف التأويل الذي استقر عليه الأصوليون تبين لنا أن الباعث على التأويل هو وجود دليل آخر يعارض ظاهريًا النص المراد تفسيره وهذا بيِّن من خلال تعريف الطوفي وابن تيميه إذ نص تعريفاهما على أن علة التأويل وجود دليل خارجي فالأول يقول في معنى التأويل"هو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير به المرجوح راجحًا"والثاني يعرفه بأنه"صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به" (5) .
فاللام في قولهما"لدليل"مشعرة بالعلية والسببية، وهو الحق، إذ لا يخطر على بال الفقيه صرف اللفظ عن ظاهره وحمله على معنى مرجوح إلا لوجود ما يستدعي ذلك،أي"التعارض"بين الأدلة. فإذا ما تعارض النص الشرعي"الدليل"مع دليل شرعي آخر حاولنا الجمع بينهما بالتأويل أي بحمل كل منهما على وجه.
(1) صحيح مسلم بشرح النووي 8/55.
(2) نفس المصدر 13/93.
(3) سيرة ابن هشام 2/985.
(4) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص266، وفيه ذكر لعشرات الأمثلة من العقوبات التعزيرية فعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأوقعها على بعض العصاة، وأخرى أوقعها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي من غير نكير من أحد من الصحابة، وعمر كان أكثرهم ممارسة لها لطول ولايته وخلافته والله أعلم.
(5) انظر: ص19 من هذا البحث.