وقد قامت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة والإجماع على اعتبار الضرورة الشرعية سببًا لإباحة المحرم أو رفع الإثم عن فاعله مما يبيح للإمام في ظروف معينة الأخذ بأحكام ما كان له أن يأخذ بها في الأحوال العادية الطبيعية.وإمام المسلمين هنا لا يعتبر مخالفًا للنصوص حقيقة بل هو متبع للنصوص الأخرى القطعية القاضية بأن الضرورات تبيح المحظورات، فالضرورة قيد يرد على كل المنهيات وقد بينا ذلك في بحث إيقافه لحد السرقة عام المجاعة.
فإن كان ما فعله عمر ووافقه عليه الصحابة من إسقاطه لاسم شرعي يعد محرمًا أو تنازلًا فقد فعله للضرورة الشرعية المعتبرة، وأضيف هنا بأنه له فيه سابقة إذ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرض على بعض قادة الأحزاب يوم الخندق ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا أو يخذلوا بين الأحزاب وعلل ذلك للأنصار بأن العرب قد رمتهم عن قوس واحدة وكالبوهم من كل جانب فأراد - صلى الله عليه وسلم - أن يكسر عنهم شوكتهم (1) .
وهذا الفعل - الإعطاء للمشركين غير جائز في الأصل لما فيه من الذل والصغار للإسلام وأهله، ورسول الله أولى من يعلم ذلك، ولكنه فعله للضرورة الحربية، فدل ذلك على أنه يجوز لإمام المسلمين - عند الضرورة أو الحاجة- النزول عند شروط الكفار سواء ببذل المال لهم كما فعل - صلى الله عليه وسلم - أو بإسقاط اسم الجزية كما فعل عمر، وهو ما صرح به فقهاء المذاهب إذ جوزوا بذل المال للكفار إن لم يمكن دفعهم إلا به واقتضت حاجة المسلمين ذلك (2) .
المطلب السابع:
إيقاعه الطلاق بلفظ الثلاث ثلاثا لا واحدة
قال أهل التأويل والتعطيل المعاصرون: كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: أن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم" (3) ."
(1) انظر: سيرة ابن هشام 2/706.
(2) انظر المغني 10 /519.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 15/65.