{ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } ثم قال تعالى { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ } إلى أن قال { وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالاِيمَانَ } يعني الأنصار ثم قال { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } ( الحشر-7-10) ، يريد كل المسلمين إلى آخر الدهر، ما أرى هذه الآية إلا قد
عمت الخلق كلهم حتى الراعي بكداء ( موضع قرب مكة ) وأنه قال لهم: تريدون أن يأتي آخر الناس ليس لهم شيء ؟ فما لمن بعدكم ؟ ولولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر (1) .
والنقول في هذا كثيرة تفيد قطعًا وقوع الخلاف بين الصحابة في قسمة الأراضي فإذا ثبت هذا وهو ثابت، فقد بطل قول المؤولة المعاصرة أن الآية أعني آية الأنفال - قاطعة الدلالة على وجوب قسمة غير المنقول كالمنقول.
ولا يستساغ الخلاف من الصحابة الكرام في آية علموا أنها قطعية الدلالة في وجوب قسمة الأراضي، ومن قال بتسويغه فهو متهم لجملة الصحابة الكرام ولأجلّهم وهم عمر وعلي ومعاذ و أبو عبيد وطلحة، متهم لهم إما بالجهل وإما بتعمد مخالفة صريح الكتاب، لا مفر بين الأمرين، والقول بأحدهما ذهاب إلى قول الرافضة والزنادقة وهو أمر وخيم على صاحبه.
فلا مفر من الإقرار بأن دلالة الخلاف بين الصحابة هي أنهم علموا أن حكم الغنائم غير المنقولة"كالأراضي"غير داخل تحت عموم آية الأنفال، وأن فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام في خيبر ليس للوجوب وإنما غاية ما يدل عليه هو الجواز أو الاستحباب على أكثر تقدير.
وهذا المسلك الذي سلكناه في التفريق بين نوعي الغنائم هو ما نص عليه العلماء صراحة وبلغوا فيه إلى ادعاء عدم الخلاف، يقول القرطبي"المسألة الثالثة": لم يختلف العلماء أن قوله تعالى
(1) أبو عبد القاسم بن سلام: مصدر سابق 74 ، 273.