والذي يؤكد كل هذا أنه لم يعد هناك ذكر للعزيز أو الملك بعد توليه أمر الخزائن حتى نهاية السورة. فهو قد استلم الحكم بكامله، وكان صاحب الصلاحية في إنفاذ شريعته.
6-انه قد جاء نص القرآن على لسان يوسف عليه الصلاة والسلام على انه لا يمكن أن يحكم بغير ما انزل الله، أو يتبع ملة غير ملة آبائه.
فهو يقول لصاحبي السجن { … إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } (يوسف-37) ، والشريعة من الملة، والعزيز كان كافرا ويوسف يصرح بأنه ترك ملة الكافرين وشريعتهم ومنهم العزيز.
وهو يقول { وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ… } (يوسف-38) ، وملة هؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هو توحيد الله والبراءة من الكافرين كما تدل عليه قصة
إبراهيم عليه السلام في سورة الممتحنة (1) وهو يقول { مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ } (يوسف-38) ، هكذا بكل إطلاق، وقد علمنا أن الحكم بغير ما انزل الله شرك وكفر. وهو يقول لصاحبيه في السجن
{ يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } (يوسف-39)
(1) وهي قوله تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده …) ( الممتحنة /4) .
وانظر: المقدسي أبو محمد عاصم بن أحمد: ملة ابراهيم ودعوة الانبياء والمرسلين وأساليب الطغاة في تمييعها وصرف الدعاة عنها.