فما جاء عن بعض الصحابة في قولهم بالرأي، فإنما كان يعني الرأي المحمود ؟، وهو الرأي الذي يفسر النصوص، ويبين وجه الدلالة فيها،ولا يستوي رأي من أثنى الله عز وجل عليهم في القران والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، وشاهدوا التنزيل فعلموا ما أراد الله عز وجل ورسوله عاما وخاصا وعزما و إرشادا،وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع …، أقول لا يستوي هؤلاء الربانيون بمن علم حالهم وتقصيرهم واستغراق أوقاتهم و أعمارهم في الدنيا وملذاتها على احسن الأحوال العيال.
والرأي كما هو معروف عند جمهور العلماء منه ما هو محمود بلا ريب كالذي ذكرت، ومنه ما هو باطل بلا ريب، كالرأي المخالف للنصوص أو الكلام في الدين بالخرص والظن، والقول في أحكام الشرائع بالاستحسان والهوى، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، أو الرأي الذي تُحدث به البدع وتُغير به السنن، ومن كان له مسكة من عقل، يعلم ان فساد العالم وخرابه إنما نشا من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم فساد، فلا اله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق وأثبت بها من باطل ؟ وأُميت بها من هدى وأُحييَ بها من ضلالة ؟ وكم هُدم بها من معقل للإيمان أو عُمِّر بها من دين للشيطان؟. (1)
فحاشا أصحاب رسول الله أن يكونوا من زمرة أولئك القوم وحاشا مُلْهَم الأمة أن يكون مشجبا يُعلق عليه تحريف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
المطلب الثاني: وقف عمر لأرض السواد
(1) المصدر السابق 1/57.