بقراءة سطحية قد يبدو أن أحكام أهل الذمة التي عرضنا لبعضها قاسية غير مبررة في زمن مواثيق حقوق الإنسان.
ولكن الموقف الحقيقي من أهل الكتاب يستفاد أولا من تقريرات الله سبحانه وتعالى والمسوغات التي جاءت بها النصوص، فهم قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، ويقولون عزير والمسيح ابنان لله، ويأكلون أموال الناس بالباطل.
وهم يحددون موقفهم النهائي من المسلمين بالإصرار على أن يرتدوا يهودا أو نصارى ولا يرضون عنهم ولا يسالمونهم إلا أن يتحقق هذا الهدف فيترك المسلمون عقيدتهم نهائيا، وهم يشهدون للمشركين الوثنيين، أنهم أهدى سبيلا من المسلمين.وإذا راجعنا التقريرات الربانية عن المشركين، وجدنا الأهداف النهائية لهم تجاه الإسلام والمسلمين هي بعينها -وتكاد تكون بألفاظها- هي الأهداف النهائية لأهل الكتاب تجاه الإسلام والمسلمين كذلك…مما يجعل طبيعة موقفهم من الإسلام والمسلمين هي طبيعة موقف المشركين.
فالأخيرون لا يزالون يقاتلوننا حتى يردونا عن ديننا إن استطاعوا، ولا يرقبون فينا إلا ولا ذمة، وودوا لو نغفل عن أسلحتنا، فيميلون علينا ميلة واحدة.
فإذا تجاوزنا الحقائق الموضوعية، وجئنا إلى الواقع التاريخي، وجدنا تاريخا من العداء العنيد والكيد الناصب والحرب الدائبة، التي لم تفتر على مدار التاريخ (1) .
لا نريد أن نذهب إلى الماضي البعيد، لننكأ جراح الأندلس والحروب الصليبية والمغولية، ولكن يكفينا أن التاريخ المعاصر يمدنا بمئات الأدلة والبراهين على حقيقة موقف الكفار -أهل كتاب وملحدين ووثنيين- من المسلمين.
(1) انظر لمزيد من هذا التحليل: سيد قطب:"في ظلال القرآن"3/1625-1633.