وأما هؤلاء النصارى الذين يعيشون بين ظهراني المسلمين، ويستطيلون على دينهم وشريعتهم بالغمز والطعن، ويعلنون صراحة أنهم مواطنون لا ذميون، وأن هذا وطنهم، وليس ديار المسلمين، ويرفضون تطبيق الشريعة، فلا ذمة لهم ولا عهد على ما تقدم من كلام أبي يعلى الفراء وغيره من العلماء.قال في السيل الجرار: ثبوت الذمة لهم مشروط بتسليم الجزية، والتزام ما ألزمهم به المسلمون من الشروط، فإذا لم يحصل الوفاء بما شُرط عليهم، عادوا إلى ما كانوا عليه من إباحة الدماء والأموال، قال:وهذا معلوم ليس فيه خلاف وفي آخر العهد العمري: فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم، وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل العناد والشقاق……كأن يطعن في الإسلام أو بسب نبينا - صلى الله عليه وسلم - (1) .
وكم من كاتب منهم أو مسرحي أو سينمائي أو سياسي أو حتى رجل دين سخر من الإسلام وأحكامه، وهو أمر ظاهر لا يحتاج إلى تمثيل واستدلال.
وعليه فإن بعض الدعاة والإسلاميين يخطئون خطأ فاحشا حين يسحبون أحكام أهل الذمة التي تكلم عليها الفقهاء مع ما فيها من البر بأهل الكتاب والقسط إليهم والوفاء بذمتهم على اليهود والنصارى المعاصرين مع ما فيهم من عناد وشقاق ومحادة لله ورسوله والمسلمين.
فأهل الذمة ليسوا كما عرفهم البوطي، أنهم أناس من الكفار، قد ترك لهم حرية البقاء على دينهم وممتلكاتهم وأوطانهم وذلك بعد وثوق المسلمين بصدق تعاونهم وحسن جوارهم وعدم صدور حرابة منهم…
الأمر الذي أدى إلى ضرورة التعايش السلمي بين الطرفين بدافع العقيدة والانتماء الوطني والتاريخي والوجود الحضاري، ومن ثم فإن لأهل الذمة هؤلاء وجودهم الاجتماعي والديني الخاص بهم على قدم المساواة (2) . كلا، فهذه نظرة تغلب رابطة الطين والتراب على رابطة العقيدة والتوحيد.
(1) السيل الجرار 4/574-575.
(2) انظر: الجهاد في الاسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه ص118-146.