فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 528

وقد يستشكل بعضهم هذه الأحكام مع ما جاء من نص على بر أهل الكتاب وحسن معاملتهم والوفاء بذمتهم، فيرون تناقضا حادا بين برهم والقسط إليهم مع وجوب التزامهم الصغار والذلة وعدم مودتهم ومحبتهم.

ومع أن البحث هنا مقصور على رد التأويلات الباطلة المخالفة للنصوص الصحيحة وإجماعات العلماء، ولم نقصد منه بيان فلسفة أحكام أهل الذمة، ومنها الجزية ولا تفصيل الحكمة من ورائها، ولا محلها من التصور الإسلامي العام للنظام السياسي والاجتماعي في الدولة الإسلامية.

إلا أنه يبدو هنا من اللازم إيضاح الفرق بين وجوب الوفاء بذمة أهل الذمة والبر والقسط إليهم، وبين عدم مودتهم ومحبتهم ووجوب البراء منهم ومفاصلتهم، وهو الأمر الذي يشكل على المثقفين وبعض الدعاة من الإسلاميين، فيضطرون بسببه إلى التأويل ورد النصوص.

وهو ما جعل هويدي يصف موقف سيد قطب الداعي إلى مفاصلتهم ودفعهم الجزية بالمعالجة الحادة وغير الودية (1) .وأكثر من جلّى هذا الأمر الإمام القرافي في فروقه إذ قال: انه يتعين علينا أن نبرهم -أهل الذمة- بكل أمر لا يكون ظاهره يدل على مودات القلوب ولا تعظيم شعائر الكفر، فمتى أدى إلى أحد هذين امتنع، وصار من قبل ما نهى الله عنه في قوله تعالى:

{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ… } (الممتحنة-1) وغيرها من الآيات.

ثم شرح هذه المحذورات المحظورات، فإخلاء المجالس لهم عند قدومهم علينا، والقيام لهم، ونداؤهم بالأسماء العظيمة الموجبة لرفع شأن المنادى بها، وتمكينهم من الولايات والتصرف في الأمور الموجبة لقهر من هي عليه، فكل ذلك ممنوع وحرام.

(1) الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي ص196-197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت