ولذلك فهو يرى كسابقيه أنها أحكام ظرفية - تاريخية- اقتضتها ظروف الحروب ناسبا هذا القول للدكتور محمد عمارة (1) أيضا.
ومع أن د.طه جابر العلواني يعي مثلهم أبعاد هذه المقولات، ويعلم أن هناك تلازما بين المواطنية وبين العلمانية الدنيوية، ويعلم أن المواطنة ذات مضمون فكري علماني، وأنها لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل العلمانية الدنيوية، وفي إطار سيادة مفاهيمها ونظامها ومنهجها في الحياة.
كما أكد ذلك بنفسه فيما سبق، ومع انه عارض استعارة المفاهيم ذات النسق الحضاري المختلف وذات الجذور والأصول الوثنية والقواعد المغايرة، لأنها تكون مشحونة في العادة بجملة من الأفكار متصلة بكثير من القواعد، ومؤدية إلى كثير من الآثار في مختلف جوانب الحياة.
مع ذلك كله نجده -ويا للعجب- يمتدح راشد الغنوشي، ويثني على"اجتهاداته"التي خرج بها في موضوع"المواطنة"لأنه برأيه أعلن عن اتساع الإسلام لقبول مفهوم المواطنة كما هو في"الوعي المعاصر"ولأنه دلل لهذا القبول، وعلل له، وأصّل له، ليكون اجتهادا معتبرا شرعا تستجيب له القلوب المسلمة، وتقبله العقول (2) . ولذلك يدعو العلواني إلى إعادة النظر في أحكام أهل الذمة، لأنها تعرضت في الحاضر لسخط العلمانية الدنيوية بكل فصائلها وتوجهاتها (3) .وهو يأسف أن هؤلاء العلمانيين، لم يقابلوا ما قدمه الإسلاميون من"مواقع اجتهادية تأويلية متقدمة"؛ لم يقابلوه بما يستحق.
وأنهم بدلا من ذلك احتلوا مواقع الماضويين، واحترسوا بذات النصوص التي يحترس بها الماضويون، والتي تنفي إمكان المساواة التامة بين كل المواطنين (4) .
(1) حقوق المواطنة - مرجع سابق ص57،29.
(2) من تقديمه لكتاب راشد الغنوشي - حقوق المواطنة ص12.
(3) نفس المصدر ص14.
(4) نفس المصدر ص19.