وهو نموذج ومثال تطبيقي حي لمبدأ التفريق بين السنة التشريعية وغير التشريعية الذي تكلمت عليه، مما يدل على خطورة الاستغلال السيئ لهذا المبدأ، و استبعاد ما لا تهواه الأنفس من الأحكام الشرعية بذريعة أنه من السنة غير التشريعية التي قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فعلها بصفته إماما وقائدا لا مبلغا ورسولا.
والأخطر أن يُنسب هذا الفهم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه - وهو الذي ثبت عنه وجوب قتل المرتد.
أما أنه فهم سقيم فلما قدمنا من أن الأحاديث عامة مطلقة لا يجوز تأويلها بتخصيص أو تقييد إلا بدليل صحيح، ولا دليل، بل في الأدلة ما يدل على عكس ذلك.
فحين أبى معاذ أن يجلس حتى يقتل اليهودي الذي تهود بعد إسلامه قال: قضاء الله ورسوله وكررها ثلاث مرات، فهل قضى الله هذا الحكم بصفته إماما وقائدا - تعالى الله عما يقولون.
ثم قوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه فان أبى فاضرب عنقه، وأيما امرأة ….
فهذا الحديث جاء بلفظ نكرة"رجل"وصُدر بأي وما ثم أكد مرة ثانية بالنسبة للمرأة وهذا من أبلغ صيغ العموم كما قال الآمدي على حديث { أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها….. } الحديث (1) .
ثم إذا كان الحديث قاله - صلى الله عليه وسلم - بصفته إماما، فلم قتل علي الزنادقة، ولم قتل أبو بكر المرأة دون نكير من أحد، وهل جهل الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم خير القرون هذه الحجة الواهية، ليتفطن لها أولئك المجددون؟!.
وهل يكون الصحابة ومن بعدهم الأمةُ على مدى أربعة عشر قرنا على ضلالة حين أجمعوا على وجوب قتل المرتد، ليأتي أولئك المجددون ويكتشفوا تلك الضلالة؟
(1) سبق تخريجه.