ولذلك لم يكن أمامهم بد من أن يسوموا النصوص المتعلقة بحد الردة عسف تأويلهم الفج والساذج، والذي يتنافى كما سنرى مع أبجديات النزاهة والمنهجية العلمية الصحيحة، التي طالما دعوا إليها وتغنوا بها، فضلا عن منافاته للمعلوم من الدين بالضرورة الذي يدركه تلاميذ المدارس بل عجائز البوادي لعمر الله.
ومن هؤلاء القائلين بحرية العقيدة والرأي بمفهومها الغربي السابق:
1.راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسي:
ويعد من أكثر المتحمسين لها، وأكثر المنظرين لها بين أوساط"الإسلاميين". حيث عدّ حرية الاعتقاد أسبق الحريات العامة، لأنها بمنزلة القاعدة والأساس، وهي أول حقوق الإنسان ويقرر حرية التعبير مطلقا لكل فرد في الدولة الإسلامية مسلما أو غير مسلم، بمن فيهم أهل الإلحاد، وتشمل هذه الحرية الدفاع عن عقيدتهم أو الدعوة إليها أو التبشير بها، والاستقطاب إليها أو نقدا لغيرها ولو كان الإسلام ذاته. لأنه إذا كان من حق بل من واجب المسلم أن يعرض دعوته على مواطنه غير المسلم، فإن لهذا الأخير الحق نفسه.
كما يقرر أن لكل فرد -مطلقا- أن يختار عقيدته بعيدا عن كل إكراه، و أن كتب التفسير والفقه تكاد تجمع على أن آية { لا إكراه في الدين } تمثل قاعدة من قواعد الإسلام وركنا من أركان سماحته.
وأنه بلغ من تأكيد الإسلاميين المعاصرين على أن الحرية هي الأصل والأساس للاعتقاد، إلى حد الذهاب بأنها نسخت كل آيات القتال من اجل عدم إكراه أحد على الدخول في الإسلام (1) .
ويستدل لتلك الحرية بمناظرات إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه، وأنه سمح لهم بالتعبير عن آرائهم، ويستدل بمناظرات العلماء للزنادقة في بلاطات الملوك وفي المساجد (2) .
(1) انظر: راشد الغنوشي: الحريات العامة في الدولة الإسلامية ص44-47.
(2) نفس المصدر ص47.