وتكلم بوضوح أكثر فهمي هويدي، حيث اعتبر أن الشريعة ما هي إلا كليات ومبادئ عامة، وما سوى ذلك، فهو فرعيات واجتهادات فقهاء تاريخية، متغيرة وغير ملزمة. قال ذلك لتسويغ إلغاء أحكام أهل الذمة وتقرير مفهوم المواطنة، وسنرى عند بحث مفهوم المواطنة من يتفقون مع هذا الرأي ومنهم راشد الغنوشي وطه جابر العلواني.
وهذه الدعوى"تاريخية الفقه"يتفقون فيها مع محمد شحرور الذي قال بتاريخية الإجماع، وأن الفقهاء إنما اجمعوا على أمور تناسب زمانهم، وان التشريع متطور أبدا.
ويتفقون في هذا مع أشهر حاملي لواء هذه الدعوة، وهم محمد أركون ومحمد عابد الجابري وعبد الهادي عبد الرحمن ومحمد سعيد العشماوي والدكتور نصر حامد أبو زيد وجارودي ومحمد إقبال وغيرهم.
أما أركون فقد صرح بذلك فيما ذكرته عنه في مفهومه للقرآن واعتباره له نصا تاريخيا وتراثيا وإدخاله إياه تحت مسمى الفكر، ويدل عليه كتابه"تاريخية الفكر العربي".
وأما الدكتور نصر حامد أبو زيد فاعتبر النص منتجا ثقافيا صاغته وشكلته الثقافة البشرية والعقل العربي.
وأما الجابري فقد مثّل لتاريخية الأحكام الفقهية بآية الميراث التي أعطت الذكر مثل حظ الانثيين فيرى أن ذلك راجع إلى العقلية العربية التي كانت سائدة آنذاك، والتي ترفض المساواة الكاملة، فجاء القرآن بحل وسط"وهو إعطاؤها نصف الذكر".
وأما الآن فيجب إعطاؤها مثل الذكر تطبيقا للمساواة التامة، لأن العقل المعاصر يستوعب هذه المساواة (1) .ومثَّل له أيضا بمدة العدة للمتوفى عنها زوجها، والتي جعلها القرآن أربعة أشهر وعشرة أيام، فيرى أن هذا التحديد بهذه المدة راجع إلى عدم وجود وسيلة أخرى للتأكد من براءة الرحم في ذلك الزمان، وما دمنا الآن نستطيع ذلك في فترة مبكرة جدا فيجب أن تتغير مدة العدة (2) .
(1) محمد عابد الجابري: التراث والحداثة - دراسات ومناقشات ص54.
(2) عبد الهادي عبد الرحمن: سلطة النص - قراءات في توظيف النص الديني ص232.