أم أن العلماء قد وضعوا للعلل والمقاصد والمصالح سبلا ومسالك بها تعرف، وعن طريقها تدرك، سدا لباب دعوى الأدعياء على النصوص الشرعية ومراد الله تبارك وتعالى.
ولو كان تقدير المصالح من الأمور النسبية المتروكة للعقل الإنساني كما يقول محمد عمارة وهويدي والترابي وأشياعهم - لعلَّل النصوصَ الشرعية من شاء بما شاء، وما دامت الأمور متروكة للعقل، فلا عقل يلزم عقلا آخر بتعليله.
والعقل - كما قال الشاطبي - لا يحسن ولا يقبح ولا يجاوز الشرع وليس هذا قولا بقول الظاهرية ولا هو إبطال للقياس (1) .
ثم إننا نعلم أن قول القائل: أن هذا النص أو هذا الإجماع بني على مصلحة تغيرت أو عادة تبدلت أو عرف تطور، مبني على النظر العقلاني المجرد، والذي لا يفيد إلا ظنا.
فكيف يؤول به وتزال به دلالة النص الظاهر الراجح، فضلا عن النص القطعي والإجماع الذي هو حجة قطعية أيضا؟ وقول القائل أن هذا النص معلل بكذا، هو مجرد دعوى تحتاج إلى دليل يثبت هذه العلة.
وقد ذكرنا قول الشاطبي والرازي وغيرهم من العلماء في تأويل النص بدليل القياس الخاص، حين لم يجيزوا التأويل بالقياس إلا إذا كانت العلة منصوصة، أي جاء بها نص.
فإذن رجع الأمر إلى تأويل النصوص ببعضها وهو الصحيح. والذي أجاز قصر الصلاة في السفر هو كون العلة - السفر - قد جاء بها نص، ولو لم تكن منصوص عليها، لما جاز أن ترفع دلالة النصوص الموجبة لإتمام الصلاة، بعلة عقلية مظنونة (2) .
(1) الموافقات 1/88.
(2) انظر: دلالة الظاهر، والتأويل بدليل القياس الخاص من هذا البحث.