أما عدم نسخه، فقد تكلمت عليه عند التأويل بدليل الإجماع، وأما أنه نفسه لا يؤول، فلأن غاية ما يفيده التأويل هو الظن الغالب أو الراجح، والإجماع بالاتفاق حجة قطعية، والظني لا يترجح على القطعي مطلقا. وأما أنه لا يتغير، فلما قدمنا أن القطعيات هي من النظام الشرعي العام، والتي تشكل أصول الدين، وما كان سبيله ذلك، فلا سبيل إلى تغييره.
وأما تحليل د. محمد عمارة لاجتهادات عمر وتفسيرها على أنها تجاوز وتغيير للحكم الشرعي، على الرغم من وجود النص القطعي والإجماع والسنة العملية والقولية، بحجة أن تلك النصوص والإجماع كان معللا بالمصلحة ومبنيا عليها، والحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا (1) ، فهو قول ينقض أوله آخره.لأن أحدا من العلماء لا يجادل في أن النص حتى لو كان قطعيا - إذا كان معللا فان حكمه يتوقف على وجود تلك العلة، فقصر الصلاة مثلا حكم شرعي، ولكنه معلل ومبني على السفر، فان وجد السفر جاز القصر، وإن لم يوجد السفر، وجب إتمام الصلاة وحرم القصر، ولا يقال حينئذ أن الحكم الشرعي في القصر قد تغير أو تبدل.
والعلماء الذين يكثر محمد عمارة من السخرية والاستهزاء بهم و يسميهم بـ"عوام الفكر الإسلامي والحشوية و النصوصيين الحرفيين الجامدين السلفيين" (2) هؤلاء هم من بينوا هذه القاعدة - دوران الأحكام مع عللها- قبل أن يظن محمد عمارة وأمثاله أنهم ابتكروها، وأتوا بما لم تأت به الأوائل. وليس الجدل في تقرير هذه القاعدة، ولكن المشكلة كما أسلفنا في بحث المصالح والمقاصد (3) هي:
-كيف تدرك علل الأحكام ومقاصدها والمصالح التي اشتملت عليها؟
-هل تدرك بمجرد التوهم والدعوى؟ هل تدرك بالنظر العقلي الصرف والهوى الدفين؟
(1) انظر: معالم المنهج الإسلامي ص103-113.
(2) انظر: معالم المنهج الإسلامي ص99،102، النص الإسلامي ص15.
(3) انظر: ص148 من هذا البحث.