وكما انه لا يعتبر قول العامي فإنه لا يعتبر قول علماء الفنون الأخرى من غير الفقهاء والأصوليين كالنحويين والمتكلمين والمفسرين والمحدثين إن لم يكونوا يملكون آلية الاجتهاد في إدراك الأحكام.
ولا عبرة كذلك بقول المبتدع الذي بدعته مكفرة، فلا عبرة بوفاقه أو خلافه، وان كان يصلي إلى القبلة، ويعتقد نفسه مسلما، لأن الأمة ليست عبارة عن المصلين إلى القبلة بل عن المؤمنين، وهو كافر وإن كان لا يدري أنه كافر (1) .
وهذه الأدلة الشرعية والعقلية التي ساقها العلماء، تجعل دعاوى الترابي وأبي زيد وشحرور، وكل من قال بأن الإجماع يعبر عنه حديثا بالاستفتاء الشعبي أو البرلمان التشريعي"الإسلامي"تجعلها هباء منثورا.
وتبطل دعوى الترابي الساذجة أن اشتراط المجتهدين في اعتبار الإجماع يقسم الناس إلى طبقات علماء وعوام، وكأن الله خلقهم سواء، ولم يجعلهم درجات في كل شيء في العلم والجسم والرزق، والآيات في ذلك وافرة لا تحصر.
وأي عاقل - كما قال الغزالي - يجعل الإجماع هو رأي الأغلبية ممن ينتخبهم الناس في البرلمان؟ وهل هو تصويت على حكم شرعي وعلى"دين"؟ أم على تعبيد شارع وإقامة مستشفى؟ ومتى كانت الأحكام الشرعية تقرر بالتصويت؟ تصويت العلماء فضلا عن الغوغاء والدهماء؟ وهل ما اقترحه من تشريع للأحكام برأي الأغلبية البرلمانية، هل هو إلا تشريع لم يأذن به الله؟.
وقد فصل بعض المفكرين المعاصرين في رأي الأكثرية ومتى يجوز الأخذ به ومتى لا يجوز،"وخلاصة الأمر أن الدين الإسلامي بنصوصه ووقائعه لا يدل على احترام رأي الأكثرية إذا لم يكن متفقا مع الشرع" (2) .
(1) انظر: نفس المصدر 1/342-344.
(2) انظر: سميح عاطف الزين: الإسلام وأيديولوجية الإنسان ص86.