"ويعتبر في صحة الإجماع اتفاق كل من كان من أهل الاجتهاد سواء كان مدرسا مشهورا أو خاملا مستورا" (1) .
وأكد هذا المعنى الغزالي، وأفاض فيه فقال:"فما أجمع عليه الخواص - أي المجتهدون، فالعوام متفقون على أن الحق فيه ما أجمع عليه أهل الحل والعقد، لا يضمرون فيه خلافا أصلا، فهم موافقون أيضا فيه، ويحسن تسمية ذلك إجماع الأمة قاطبة، كما أن الجند إذا حكَّموا جماعة من أهل الرأي والتدبير في مصالحة أهل قلعة، فصالحوهم على شيء يقال: هذا باتفاق جميع الجند."
فإذن كل مجمع عليه من المجتهدين فهو مجمع عليه من جهة العوام، وبه يتم إجماع الأمة. وعدم اعتبار قول العامي بموافقة أو مخالفة، لأن العامي ليس أهلا لطلب الصواب - يعني في الأحكام التي يختص بدركها العلماء - إذ ليس له آلة هذا الشأن، فهو كالصبي والمجنون في نقصان الآلة، ولا يفهم من عصمة الأمة من الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة والأهلية.
والسبب الثاني في عدم اعتبار قول العامي وهو الأقوى - أن العصر الأول من الصحابة قد أجمعوا على انه لا عبرة بالعوام في هذا الباب، ولأن العامي إذا قال قولا عُلم أنه يقول عن جهل، وأنه ليس يدري ما يقول، وأنه ليس أهلا للوفاق والخلاف فيه، ولا يتصور صدور هذا - اعتبار قول العامي في الإجماع - من عامي عاقل (2) ، لأن العاقل يفوض ما لا يدري إلى من يدري فهذه صورة فرضت، ولا وقوع لها أصلا (3) .
ويدل لهذا الأمر أيضا - والكلام لا يزال للغزالي - أن العامي يعصي بمخالفته العلماء، ويحرم عليه ذلك، وهو مأمور بوجوب اتباعهم، وقد علم أن الله رد الناس عند التنازع إلى أهل الاستنباط { لعلمه الذين يستنبطونه منهم } .
(1) الخطيب البغدادي: الفقيه والمتفقه، 1/170.
(2) وما علم الغزالي - رحمه الله - أنه سيقول بهذا القول مفكرون ودعاة بل وممن ينتسبون للعلم فلا حول ولا قوة إلا بالله.
(3) المستصفى بتحقيق محمد سليمان الأشقر، بتصرف يسير 1/342