مع أن الاستدلال بالكليات لا يقوم له إلا من وقف على الجزئيات وأحاط بها علما وفهما ونظرا. وكيف لهؤلاء الذين أفنوا ماضيهم في دراسة الصحافة والقانون وشتى العلوم واستغرقوا حاضرهم في ملاحقة الواقع وتداعياته أن يرتقوا إلى هذه المنزلة. ما مثل هؤلاء إلا كمن يفني عمره في معمل للكيمياء ثم يأتي آخر عمره لينصب نفسه معلما وأستاذا وشارحا لدستور البلاد قواعده ودقائقه.
ثانيًا: الاجتهاد قصر على أهله من العلماء وليس مباحا للعالمين
فالاجتهاد كما سبق: هو بذل الفقيه وسعه.. وليس يقبل الاجتهاد في الدين من أي شخص بل من الفقيه حصرا. والأصل أن هذا الأمر لا يحتاج إلى بيان لما علم أن المفتي والمتكلم في أحكام الدين لا يعطي رأيه الخاص ولا وجهة نظره الشخصية، ولا يسأل عن مزاجه أو هواه، وإنما هو يسأل عن حكم الله أو حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المسألة أو في تلك الواقعة.
لذلك عبر الإمام القرافي - وهو من فقهاء المالكية وكبار الأصوليين عن المفتي بأنه ترجمان عن الله تبارك وتعالى، كأنه مترجم للنص الشرعي (1) .
ولعل ابن القيم كان أكثر تسديدا حين وسم كتابه الشهير ب-"إعلام الموقعين عن رب العالمين"فاعتبر أن المفتي والمتكلم في مسائل الشرع كأنه موقع عن رب العالمين.
ومن هذا المنطلق قال: إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمعنى التوقيع عن رب الأرض والسماوات (2) .
إذن فالمفتي والمتكلم في مسائل الدين موقع عن رب العالمين، ومخبر عما يعتقد أنه حكم الله ورسوله في مسألة معينة أو نازلة أو موضوع. وكيف يتسنى ذلك لغير العالم المتضلع من علوم القرآن والحديث والأصول واللغة؟
(1) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام ص29.
(2) إعلام الموقعين 1/10 طبعة دار الجيل بيروت.