وتكلمت على ذلك في التأويل بدليل المصالح والمقاصد وهي كليات أيضا، وعرفنا أنها لا تثبت أصلا إلا عن طريق الأدلة الجزئية التفصيلية.
ولا بأس هنا بإيراد نقل للإمام الشاطبي في وجوب اعتبار جزئيات الشريعة وكلياتها معا وحرمة إهدار النصوص الجزئية قال رحمه الله.
"… وكما أن مَنْ أخذ بالجزئي معرضا عن كليه فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضا عن جزئيه. وبيان ذلك أن تلقي العلم إنما هو من عرض الجزئيات واستقرائها، فالكلي - من حيث هو كلي - غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات، ولأنه ليس بموجود في الخارج، وإنما هو مضمَّن في الجزئيات، حسبما تقرر في المعقولات."
فإذا الوقوف مع الكلي مع الإعراض عن الجزئي وقوف مع شيء لم يتقرر العلم به بعد دون العلم بالجزئي، والجزئي هو مظهر العلم به.
وأيضا فان الجزئي لم يوضع جزئيا إلا لكون الكلي فيه على التمام وبه قوامه، فالإعراض عن الجزئي من حيث هو جزئي إعراض عن الكلي نفسه في الحقيقة. وذلك تناقض"."
إلى أن قرر أنه"لا بد من الرجوع إلى الجزئي في معرفة الكلي، ودل ذلك على أن الكلي لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي …. فلا بد من اعتبارهما معا في كل مسألة (1) ."
فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة، فلا بد من الجمع في النظر بينهما، لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد (2) .
إلى أن قال"فلو أعرض عن الجزئيات بإطلاق، لدخلت مفاسد ولفاتت مصالح، وهو مناقض لمقصود الشارع"و"الحاصل أنه لا بد من اعتبار خصوص الجزئيات مع اعتبار كلياتها وبالعكس، وهو منتهى نظر المجتهدين بإطلاق، و إليه ينتهي طَلَقهم في مرامي الاجتهاد" (3) .
من هنا يتبين لنا المغالطة الفاحشة التي يكررها هؤلاء من إقبالهم على الاستدلال بالكليات مع طرح الأدلة الجزئية التفصيلية من نصوص القرآن والحديث.
(1) الموافقات 3/8-9.
(2) نفس المصدر 3/9.
(3) نفس المصدر 3/13.