فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 528

هذا إضافة إلى أن"النص"بالمعنى الأصولي، ليس شرطا أن يكون قطعيا من حيث الثبوت ، فخبر الآحاد إذا لم يحتمل إلا معنى واحدا، فهو نص لا يجوز تأويله، كما نص عليه الجويني وغيره، وأما أن النصوص بمعناها العام نادرة في أبواب المعاملات، فهذه دعوى تدل على أن صاحبها إما جاهل وإما متجاهل، فالقرآن الكريم فصل في أحكام البيوع والشهادات والزواج والطلاق والحدود والجهاد ما لم يفصله في أحكام الصلاة والزكاة والحج.

وإطلاعة يسيرة على مصنفات الحديث، ترينا ذلك الكم الهائل الزاخر من نصوص الحديث الصحيح والحسن في شتى أبواب المعاملات الدنيوية من البيوع والإجارات والشركات والغصب والكفالة والرهن … الخ.

ومصنفات الفقهاء زاخرة هي الأخرى بالتفصيل في هذه الأمور، وهو أمر معلوم حتى لطالب علم مبتدئ، فكيف خفي على هؤلاء المفكرين الجهابذة!!

والحقيقة أن هذه دعوى يراد من ورائها إطلاق العنان للعقل، ليشرع على هواه في أمور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بدعوى أن الدين لم يأت فيها بنصوص تفصيلية كثيرة، بل أتى فقط بمبادئ عامة وقواعد كلية وترك للعقل الميدان، ليصول، ويجول، كما يحلو له من غير قيد ولا ضبط.

وهو ما يستشف من تأكيد كثير من الكتاب على مقولة أن الشريعة جاءت في أمور الحياة والمعاملات بكليات وقواعد عامة فحسب، فيقبلون على الاستدلال بالكليات والمقاصد معرضين عن الأدلة الجزئية التفصيلية لا يلتفتون إليها إلا عندما تسند آراءهم.

وهو ما ذكرته عن الصادق المهدي وفهمي هويدي، وما سنراه في كتابات الغنوشي في بحث المواطنة.

ولن استرسل هنا في إبطال هذه المقولة، فقد صنعت ذلك عند الكلام على التأويل بدليل القواعد الفقهية، وهي الكليات التي يتكلمون عنها، وعرفنا أنها إنما ثبتت عن طريق استقراء الجزئيات أصلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت