وتسري حمى هدر النصوص لتصل حتى العقيدة، حين يقرر د. عبد المجيد النجار أن حرية العقيدة والفكر والرأي ترتقي إلى اعتبارها مقصدا من مقاصد الشريعة (1) وبالتالي تؤول كل الأحكام والنصوص التي تخالف ذلك المقصد كحد الردة والنصوص التي تضمنته.
وممن نحا هذا المنحى في رفع شعار ندرة النصوص العينية وعدم كفايتها وضرورة التركيز على فقه الكليات والمقاصد وتجاوز المنهج التقليدي في الاستنباط راشد الغنوشي وغيره.
وسنرى أن اجتهادات المعاصرين كلها تدور حول هذه المبادئ التي يطرحونها بصيغ عامة وغامضة وضبابية دون أن يحققوا مراد العلماء بها. كل ذلك نتيجة لعدم الجدية والأمانة وبذل الوسع الكافي في البحث، أو تعبير عن فقرهم المدقع وضحالة (مداهم في) "الشرعيات"حتى لو حازوا على أعلى الشهادات، وجادت عليهم دور النشر ووسائل الإعلام بأسمى الألقاب.
المناقشة والرد
علم أصول الفقه هو علم خص الله-تعالى- أمة الإسلام به من سائر أمم الأرض، وهو"أم العلوم الشرعية"والأصل فيها، وهو العاصم من كل انحراف في الفهم والتفكير، وهو الضابط لجميع الحقائق واستدلالاتها، وهو الآلة في بيان المعاني وإظهار المقاصد، وتوضيح الدلالات، وإن كل محاولة يقصد بها النيل من هذا العلم الشامخ الواسع السامي الأصيل مآلها الخيبة والفشل الذريع والعاقبة الوخيمة والضلال المشين (2) .
هذا وإن علم الأصول بشهادة المبرزين من أهله علم قد استوت أركانه واكتمل بناؤه ولم يعد هناك ما يضاف إليه، حتى وإن قيل بأن مسائله ليست كلها قطعية.
(1) انظر: د. عبد المجيد النجار: دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين ص45، والذي قدم له د. طه جابر العلواني وآقره على أغلب ما قاله والله المستعان، وسيأتي مفصلًا ذكر آراء الغنوشي في المبحث التالي إن شاء الله.
(2) الفرقان والقرآن ص68.