معللا إقدام عمر على ذلك التجاوز بان تلك النصوص موضوعها فروع المتغيرات الدنيوية وليس الثوابت الدينية ولا أصول المعاملات الدنيوية، وبأن للعقل مدخلا في تحديد علة حكمها وحكمتها لأنها ليست من الأمور التعبدية (1) .
ونجد هذا الاتجاه -إلغاء أثر الإجماع والتعليل العقلاني المجرد بالمصالح- يتردد صداه عند كثيرين، منهم د. عبد العزيز كامل، حيث يرى جواز إلغاء وإنهاء أثر الإجماع الأول، المبني على المصلحة بإجماع ثان بسبب اختلاف الظروف والأحوال وإذا وجدت المصلحة، فثم شرع الله" (2) ."
وما قاله في كتابه معالم المنهج الإسلامي. كرره، وأفرده بكتابه المذكور"النص الإسلامي بين الاجتهاد والجمود والتاريخية"من سلسلته في نقد العقل المعاصر - أراد فيه الرد على جهتي الغلو - كما يقول - في موقفهما من النص الإسلامي. وهما: النصوصيون الحرفيون السلفيون الذين يقفون عند ظواهر النص، وينكرون النظر العقلاني في النصوص الدينية.
والجهة الأخرى: الباطنية الغنوصية التي لا ترى في النصوص إلا رموزا، وتبطل المعاني والأحكام الثابتة، والتي يمثلها حديثا دعاة تاريخية النص الديني الذين يرون في الأحكام الشرعية أنها مؤقتة ومحلية، جاءت مناسبة وملبية لحاجات زمان محدد ومكان محدد وبيئة محددة ووعي معين، وبالتالي لا إطلاقية لها (3) .ورغم أنه كتبه ليكون موقفا وسطا بين النزعتين فإذا هو ينجذب نحو المدرسة الثانية حين يقرر تجاوز وتخطي النصوص حتى القطعية الثبوت والدلالة، والمتعلقة بالمتغيرات الدنيوية، وجعلَها نصوصا مع وقف التنفيذ، حتى الحدود المقدرة حتى والتي هي بإجماع العلماء ليست محل اجتهاد يرى إمكان تجاوزها باسم فقه المصالح والمقاصد والكليات والنظر العقلي.
هذا إضافة إلى توظيفه السيئ لنصوص القرافي في وجود سنة غير تشريعية كما سبق وبينته في موضعه.
(1) نفس المصدرا، نفس الصفحات.
(2) الإسلام والعصر د. عبد العزيز كامل 167.
(3) انظر: نفس المصدر ص15 وما بعدها.