ولذلك فالاجتهاد في هذه الأحكام -التي ارتبطت بعلة تغيرت أو بعادة تبدلت أو بعرف تطور- قائم، ولو كانت هذه الأحكام تستند إلى نص قطعي الثبوت والدلالة من القرآن أو السنة، وتم عليها إجماع الأمة في العصر الذي سبق تغير العلة وتبدل العادة (2) .
وهذا الاجتهاد لا يرفع وجود النص بل يرفع حكمه فقط -، ولا يرفعه دائما، بل رفعا مؤقتا، فهو اجتهاد لا يتجاوز النص فيلغيه، وإنما يتجاوز الحكم المستنبط منه تجاوزا مؤقتا بما يحقق المصلحة والمقصد، كل ذلك والنص قائم نتلوه ونتعبد به … فالنص قائم أبدا و الحكم متراوح بين التنفيذ ووقف التنفيذ دون تجاوز دائم أو إلغاء (1) . كل ذلك ليصل إلى هدم القاعدة المتفق عليها: لا اجتهاد في مورد النص فهذه قاعدة لا صحة لها في رأيه"فوجود النص لا يلغي الاجتهاد بل لا يكون الاجتهاد إلا مع وجود النص" (2) .
ثم راح يستدل لفهمه ذلك باجتهادات عمر في المؤلفة قلوبهم، وحد السرقة، وأرض السواد، والزواج من الكتابية، والطلاق بلفظ الثلاث، وإسقاط اسم الجزية عن نصارى بني تغلب، - وإباحة التسعير … وغيرها (3) .
واستنتج من تلك الاجتهادات أن عمر -رضي الله عنه- اجتهد في تلك النصوص على الرغم من كونها قطعية الثبوت والدلالة، وانه - حاشاه - تجاوزها (!!) تحقيقا للمصالح والمقاصد الشرعية (التي يتوهمها هو ) ، ودورانا مع العلة الغائية في هذه النصوص وجودا وعدما، على الرغم من انعقاد الإجماع على خلاف فعله رضي الله عنه، ووجود السنة العملية في توزيع أرض خيبر، ووجود السنة القولية في تحريم التسعير.
(1) د. محمد عمارة: معالم المنهج الإسلامي ص100-102، النص الإسلامي بين الاجتهاد والجمود والتاريخية ص33-48.
(2) معالم المنهج الإسلامي ص99 والنص الإسلامي ص38.
(3) معالم المنهج الإسلامي ص103-114، النص الإسلامي ص48-73.