فالآية محكمة لا منسوخة، ومعناها أن عمل هؤلاء الأقوام يعتبر صالحا ومقبولا بشروط قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأما بعد بعثته - صلى الله عليه وسلم - فلا يقبل عمل ولا يكون صالحا إلا أن يكون خالصا صوابا، أما إخلاصه فبأن يقصد به وجه الله وحده لا شريك له، وأما صوابه فبأن يوافق شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وقال في موضع آخر في تفسير الآية التي تشبهها في سورة المائدة وهي قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } ( المائدة /69 ) ، قال: والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله واليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء
ويوم الدين وعملت عملا صالحا، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها إلى جميع الثقلين، فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ولا هم يحزنون (1) .
ومن الآيات الصريحة في كفر اليهود والنصارى قوله تعالى { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ }
(البقرة /91 ) وهذا نص على أن إيمانهم بما أنزل الله من قبل كان إيمانا مزعوما لا صحة له، وهو نص أيضا على تكفير من لم يؤمن منهم بما أنزل الله بعد ذلك على محمد - صلى الله عليه وسلم - (2) .
(1) تفسير القرآن العظيم 1/614، وانظر: جامع البيان 4/6/311.
(2) وميض العمري: فقه الإيمان، 219.