ومثل له المالكية في تخصيص عموم الأمر بالإرضاع في قوله تعالى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ } (البقرة-233) بمن عدا ذوات المكانة الشريفة، إذ أنهن لم يعتدن ـ عند ورود النص ـ إرضاع أولادهن بل كن يستأجرن لهم المرضعات.
ويبدو أن الخلاف حول اعتبار العرف الخاص وعدم اعتباره في تخصيص النصوص، ناشئ عن الخلط بين سلطانه في تخصيص ألفاظ المكلفين، وبين سلطانه في تخصيص نصوص الشرع من قرآن وسنة.
لأن بحثنا هنا يتركز في تخصيص العرف الخاص لنص قرآني أو حديث نبوي، وليس الكلام عن ألفاظ المكلفين وعقودهم.
وكلام ابن عابدين الذي يعجب فيه من رأي الحنفية، يدور عن العرف الخاص الذي يخصص ألفاظ المكلفين وعقودهم لا نصوص الشرع من قرآن وسنة، والحنفية حين نفوا جواز التخصيص به إنما مرادهم نصوص الشرع من قرآن وسنة.
فلا خلاف ـ فيما أرى ـ على جوهر الأمر لأن كلا من الطرفين إنما يثبت وينفي غير ما يثبته الآخر وينفيه.
وكل العلماء يرون حمل كلام المكلف على معهوده في خطابه، وكلهم متفق على حمل
ألفاظ الشارع على معناها الذي كانت تعنيه وقت نزول الوحي لا المعاني الحادثة فيما بعد.
وقضية تخصيص ألفاظ المكلفين وعقودهم بالعرف الخاص تكلمنا عليها في بداية هذا الدليل فلا حاجة لتكرار القول هنا إلا بقدر الحاجة.
والذي يدل على ما قلت: قول ابن عابدين السابق بظاهره، فما معنى قوله: حكم العرف الخاص يثبت على أهله؟ والخاص في بلدة يثبت حكمه على تلك البلدة، وتعجبه من عدم اعتبار العرف مطلقا مع أن كل متكلم إنما يقصد ما يتعارفه، فهو عرف معين لأهل بلدة معينة، وعرف متكلم ما في زمن ومكان ما.