بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أولا، ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد أنه لابد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو فساد أهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد لبقاء العالم على أتم نظام وأحسن أحكام، ولهذا نرى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناها على ما كان في زمنه، لعلمهم بأنه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به أخذا من قواعد مذهبه، كإفتائهم بجواز الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه لانقطاع عطايا المعلمين خلافا لما اتفق عليه أبو حنيفة والصاحبان" (1) ."
على أن فتح باب تعليل النصوص بالأعراف والعادات والأحوال بدون قيود وضوابط يفضي في النهاية إلى تبديل الشريعة ونسخها، لأن أهل الأهواء والبدع لن يتورعوا عن تعليل النصوص الخاصة القطعية بالعرف ليتوصلوا بذلك إلى إسقاط الواجبات واستحلال المحرمات (2) ، ولذلك كان لا بد من ثبوت العلة بطريق معتبر.
وبناء عليه فان العادات المنكرة بمقتضى النصوص الشرعية، والتي اعتادها بعض الناس وتعارفوها في المناسبات والمواسم والمآتم، من حداد فوق حد الشرع، أو تكشف أو سفور واختلاط ورقص الرجال مع النساء في الأفراح، ومعاقرة الخمور، والتعامل بالربا، فكل ذلك يعد فسقا ومنكرا تجب محاربته ومنعه، لأنها منكرات منعتها الشريعة لما فيها من مفاسد ومساوئ تفسد الأسرة والمجتمع.
(1) نفس المصدر 2/123.
(2) وهو ما يفعله الآن كثير من الكتاب المعاصرين باسم تاريخية النصوص وبيئيتها، وسيأتي في الباب الثاني إن شاء الله تعالى.