من هذا السياق نفهم عبارات القرافي هذه، وأشباها، التي طالما رفعها واحتفى بها رواد التجديد ودعاته، ومن سياقها يتبين مدى التزوير والتزييف والتأويل لأقوال الأئمة حين توضع في غير موضعها ليأخذ منها حكم عام بأن الأحكام ـ هكذا مطلقا ـ تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والعوائد والأشخاص.
وهم يعلمون قبل غيرهم أن مراد الفقهاء ـ كما هو بين من السياق ـ من تغير الأحكام إنما هي الأحكام المبنية والمرتبة على عرف خاص تغير، فتُنزّل عليه الأحكام المناسبة وهي بالطبع غير الأحكام التي نُزّلت على عرف مختلف سابق. وهو كما تبين مرارا من باب تحقيق المناط لا غير.
وعلق ابن عابدين في رسالته نشر العرف على قول أبي يوسف السابق بقوله:"فإن قيل يلزم من قول أبي يوسف ترك النص للعرف الجاري فيلزم منه إباحة الربا ونحوه للعرف الجاري وإن خالف النص قلت ـ والقائل ابن عابدين ـ: حاشا لله أن يكون مراد أبي يوسف ذلك، وإنما أراد تعليل النص بالعادة، بمعنى أنه إنما نص على البر والشعير والتمر والملح بأنها مكيلة وعلى الذهب والفضة بأنها موزونة، لكونهما كانا في ذلك الوقت كذلك."
فالنص في ذلك الوقت إنما كان لعادة، حتى لو كانت العادة في ذلك الوقت وزن البر وكيل الذهب لورد النص على وفقها، فحين كانت العلة للنص على الكيل في بعضها والوزن في بعضها
الآخر هي العادة، تكون العادة هي المنظور إليها، فإذا تغير الحكم، فليس في اعتبار العادة المتغيرة الحادثة مخالفة للنص بل فيه اتباع للنص" (1) ."
وقال في موضع آخر"اعلم أن المسائل الفقهية إما أن تكون ثابتة بصريح النص، وهي الفصل الأول، وإما أن تكون ثابتة بضرب اجتهاد ورأي، وكثير منها ما يبنيه المجتهد على ما كان في عرف."
(1) نشر العرف 2/116، بتصرف بسيط.