فالعرف إنما يعمل فيما يوجد بعده، لا فيما مضى قبله. والعرف الحاكم في أمر من الأمور بين الناس، يجب أن يكون موجودا عند هذا الأمر، ليصح حمله عليه، وهذا احتراز عن العرف الحادث فإنه لا عبرة له بالنسبة إلى الماضي، ولا يحكم فيه.
يقول العلامة ابن نجيم الحنفي"العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر، ولذلك قالوا لا عبرة بالعرف الطارئ" (1) .
ومثل ذلك يقال في نصوص الشارع أيضا، فالنصوص التشريعية يجب أن تفهم بحسب مدلولاتها اللغوية والعرفية في عصر صدور النص، لأنها هي مراد الشارع، ولا عبرة لتبدل مفاهيم الألفاظ في الأعراف الزمنية المتأخرة، وإلا لم يستقر للنص التشريعي معنى.
فلفظ"في سبيل الله"من آية مصارف الزكاة كان له معنى عرفي عند نزول النص وهو مصالح الجهاد الشرعي ـ أو سبل الخيرات مطلقا على خلاف بين العلماء في ذلك.
ومثله لفظ"وَاِبْنِ السَّبِيلِ" ( سورة التوبة-61) من الآية نفسها كان له معنى عرفي إذ ذاك وهو الذي انقطعت به السبل في السفر، ولم يستطع العودة إلى أهله.
فإذا تبدل عرف الناس في شيء من هذه التعابير، فأصبح معنى"في سبيل الله"تعني طلب العلم خاصة، وأصبح معنى ـ ابن السبيل ـ"الطفل اللقيط الذي لا يعرف له أهل، فان النص التشريعي يظل محمولا على معناه العرفي الأول عند صدوره، ومعمولا به بعد ورود النص مطلقا (2) ."
ويقول الإمام القرافي"دلالة العرف مقدمة على دلالة اللغة، لأن العرف ناسخ للغة، والناسخ يقدم على المنسوخ، فكما أن عقد البيع يحمل فيه الثمن على النقود المعتادة ولا عبرة في هذا البيع لتبدل العادات بعده في النقود، كذلك نصوص الشريعة لا يؤثر فيها إلا ما قارنها من العادات" (3) .
(1) الأشباه والنظائر لابن نجيم1/101.
(2) انظر: المدخل الفقهي العام 2/873.
(3) الفروق 1/173، والأشباه والنظائر لابن نجيم 1/97.