ومثال آخر على اعتبار سلطان العرف العملي، وبيان أنه لا يعدو ما يسميه الأصوليون تحقيق المناط، ما لو استأجر شخص دابة للحمل، فانه له تحميلها النوع والقدر المعتاد مما لا ضرر منه عليها، فليس له أن يحملها أكثر من طاقتها المعتادة مطلقا، ولا أن يحملها الأشياء الثقيلة كالحديد والأحجار، إلا أن يأذن المؤجر، وعندئذ يتقيد من حيث المقدار أيضا بطاقتها المعتادة، وإلا كان ضامنا للدابة إذا تلفت، إذ يعتبر متعديا (1) .
فالحكم الشرعي في الانتفاع بالعين المستأجرة على الوجه المعتاد، هو واحد وباق لم يتغير حسب الزمان والمكان ـ وهو الجواز. أما كون ذلك المستأجر. ينتفع بها على الوجه المعتاد أم يتعدى، فهذا يحتاج إلى تحقيق مناط لمعرفة قدر ونوعية"الوجه المعتاد"وغني عن البيان أن هذا يختلف أحيانا بحسب الزمان والمكان بل والدابة ذاتها.
فلا يقال إن هذا الاختلاف هو دليل على اختلاف الأحكام باختلاف المكان والزمان. والمعنى الذي ذكرته هو مراد الفقهاء من قولهم"لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان"وهو لا علاقة له قطعيا بنصوص الوحي من كتاب وسنة.
شروط اعتبار العرف ( المخصِّص لألفاظ المكلفين )
لا بد للعرف حتى يكون معتبرا وله سلطان في تقييد الألفاظ وتخصيصها من شروط، أوجزها المرحوم الشيخ مصطفى الزرقا (2) في أربعة شروط، استقاها من أقوال الفقهاء والأصوليين وهي:
الأول: أن يكون العرف مطردا
أي أن يكون ساريا في جميع الحوادث بلا تخلف، أو على الأقل في غالبها، ومقتضاه أنه لا عبرة للعرف النادر أي غير الشائع.
الثاني: أن يكون العرف المراد تحكيمه في التصرفات قائما عند إنشائها.
(1) نفس المصدر 2/856.
(2) انظر: المدخل الفقهي العام 2/869-879، الأشباه والنظائر لابن نجيم 1/94.