فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 528

وليس في ذلك ما يخالف الشريعة في شيء، ولا هو من قبيل تخصيص اللفظ العام بالعرف القولي، فلا ينبني عليه القول بجواز تخصيص نصوص الكتاب والسنة بأعراف الناس القولية، ذلك لأن اللفظ العربي الذي جاء به الكتاب والسنة باق على معناه الأصلي حين النزول، و إنما يطَّبق وينزَّل على مسألة أو واقع إذا عناه المكلف وقصده بكلامه، وهذا في الالتزامات الناشئة عن ألفاظه.

وهذا ما نبه إليه الشاطبي حين أكد أن اختلاف الأحكام لاختلاف العوائد ليس اختلافا في أصل الخطاب (1) ، وابنُ عابدين حين جعله اختلاف عصر ومكان لا اختلاف حجة وبرهان" (2) ."

والآن فقد بات واضحا من عبارات الفقهاء وأمثلتهم التي ساقوها في أثر العرف أن كلامهم لا يدور عن نصوص الكتاب والسنة، كلا بل عن تعبيرات المكلفين وألفاظهم في إنشاء بعض العقود والالتزامات كالحلف والإقرار والوصية… يدل على ذلك قول ابن عابدين في العرف اللفظي هو حمل كلام"الناس"في عقودهم والتزاماتهم عليها أي على اللغة الجديدة، وقوله"يحمل كلام الحالف والناذر والموصي والواقف وكل عاقد على لغته وعرفه"، وقوله"الواجب حمل كلام كل عاقد على عادته، وإن خالفت لغة العرب والشارع، وإلا صرف لفظه إلى معنى لم يخطر بباله" (3) .

فمن العدل والعقل أن يحمل كلام المكلف في مكان ما وزمان ما على ما يعنيه ذلك المكلف بكلامه. أما حمل كلامه وألفاظه على معان لم يعنيها ولم تخطر بباله، فذلك إلزام له بما لا يلزمه وهو تكليف بالمحال. تماما كما يحمل كلام المتكلم بلغة أعجمية على ما يعنيه الكلام بلغته هو، ولا يقال إن في ذلك تخصيصا لكلام الشارع وتأويلا له بالعرف القولي. لأن الكلام هنا يدور عن عبارات المكلفين وألفاظهم لا نصوص الشارع.

(1) نفس المصدر 2/285.

(2) نشر العرف 2/124.

(3) نفس المصدر 2/145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت