فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 528

ومن هنا تتبين جناية بعض"أدعياء الاجتهاد"الجدد، حين يحملون كلام الشارع الذي خاطب به العرب قبل أربعة عشر قرنا ـ وكان للمفردات والتراكيب اللغوية إذ ذاك معان تعارفوا عليها حسب لسان العرب ـ حين يحملونها على ما استحدثوا من اصطلاحات لفظية.

ثم راحوا يستنبطون من هذا المثال وأضرابه قواعد حاصلها أن الأحكام الشرعية تتغير وفق العرف والعادة.

ولأجل إيضاح هذا المعنى يقول ابن عابدين في رسالته نشر العرف في ابتناء بعض الأحكام على العرف"لغة هذا الزمان الملحونة صارت لغة أخرى لا يقصدون غيرها، فحمل كلامهم على غير لغتهم صرف له إلى غير معناه، ولا يجب مراعاة الألفاظ اللغوية والقواعد العربية إلا في القرآن والحديث" (1) .

ومعنى كلامه أنه حين يقول مزارع لآخر في بعض البلاد الشامية مثلا: ضمنتك أرضي فيقول الآخر قبلت. إنه يجب حمل معنى الضمان على لغتهم ومرادهم وإن خالفت اللغة ومدلولاتها،

فمراد المزارع هنا أكريتك الأرض مزارعة، وليس مراده ألزمتك بدل إتلافها. كما هو المفهوم الشرعي للضمان. فهل هذا تغيير لحكم الضمان لتغير العرف ؟

ثم إنه نبه إلى أن الألفاظ اللغوية والقواعد العربية يجب مراعاتها عند تفسير القرآن والحديث. فمعنى اعتبار الحقيقة العرفية وتقديمها على الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية ـ كما في مثال التضمين السابق ـ لا يفهم منه إطلاقا تقديم أحكام العرف السائد اجتماعية كانت أم سياسية أم اقتصادية على أحكام الشرع.

فالمسألة كما قال ابن تيمية ليست في جوهرها إلا مسألة لغوية (2) ، وهي من باب تحقيق المناط، أي الكشف عن مراد المتكلم من كلامه، وتنزيل الحكم الشرعي ـ كما هو ـ على ما أراده ذلك المتكلم والتزم به (3) .

(1) نفس المصدر 2/137.

(2) انظر: المسودة ص123.

(3) وتحقيق المناط هو: إثبات الحكم بمدركه الشرعي، ولكن يبقى النظر في تعيين محله، الموافقات 4/89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت