فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 528

وهذا الخلط آت من إسقاطهم للقواعد التي تحكم ارتباط نصوص المكلفين بالعرف المتغير -وهي غالب ما ذكره الفقهاء من قواعد ومقولات وأمثلة في العرف- إسقاطها على نصوص الشرع -قرآنا وسنة- فخرجوا بنتائج عجيبة حاصلها أن الأحكام الشرعية متغيرة تبعا لعرف المكلفين وعادتهم، وأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، وهي كلمة حق أريد بها في هذا الزمان كثير من الباطل، وما علم أولئك"المجتهدون"معناها الصحيح ولا مكانها، ولو راموا الحق واجهدوا أنفسهم قليلا، لعلموا أنها قاعدة تحكم ألفاظ المكلفين ونصوصهم حيث ينشئون التزاماتهم، وأنه لم يقل أحد، والحمد لله، أنها تسري على ألفاظ الوحي الذي مضى، وانقضى، ولا يلحقه نسخ ولا تبديل.

يُعرف ذلك بأدنى ـ تأمل للأمثلة التي ساقها الفقهاء في هذا الباب وكلها تأتي في مسائل الأيمان والنذور والطلاق والعتاق والوصايا والوقف والإقرار (1) .

وهي التزامات ينشئها المكلف.

وهذا النوع: أعني تأويل"نصوص"المكلفين وألفاظهم بالعرف، ليس هو المقصود بالبحث إلا أن إفاضة البيان فيه ضرورية لإزالة اللبس ونفي الخلط، ولأجل التمييز بين القواعد التي تحكم كلا النوعين من النصوص.

وبعد هذه المقدمة الضرورية آتي على تفصيل ما أجملت.

فكما سبق وقلت بأن العرف ينقسم باعتبار حقيقته إلى عرف لفظي وعرف عملي، فأما العرف اللفظي: فهو أن يشيع بين الناس استعمال بعض الألفاظ أو التراكيب في معنى معين، بحيث يصبح ذلك المعنى هو المفهوم المتبادر منها إلى أذهانهم عند الإطلاق"بلا قرينة"أي يصبح"ظاهرا"حسب اصطلاح الأصوليين.

"وذلك كاستعمال الدراهم بمعنى النقود الرائجة في البلد، مهما كان نوعها وقيمتها، حتى الورق النقدي اليوم، مع أن الدراهم في الأصل نقد فضي مسكوك بوزن معين وقيمة محددة" (2) .

(1) انظر: نشر العرف 2/114، من مجموعة رسائل ابن عابدين.

(2) المدخل الفقهي العام 2/842-843، نشر العرف 2/113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت