وأما من حيث اعتبارها وقبولها: فغالبها متفق على مضمونه عند الفقهاء، كالقواعد الكلية الست الكبرى وهي: قاعدة: إنما الأعمال بالنيات أو الأمور بمقاصدها، وقاعدة: اليقين لا يزول بالشك، وقاعدة: المشقة تجلب التيسير، وقاعدة: لا ضرر ولا ضرار أو الضرر يزال، وقاعدة: العادة محكمة، وقاعدة: إعمال الكلام أولى من إهماله. وأكثر القواعد الأخرى متفق عليها بين أكثرهم.
وهذه القواعد الكبرى يتفرع منها، ويندرج تحتها كثير من القواعد الأخرى، كقاعدة"لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان"فهي مندرجة تحت قاعدة"العادة محكمة" (1) .
حجية القواعد الفقهية
والتأويل بدليل"القواعد الفقهية"، ينبني على القول بأنها أدلة شرعية، وقد وقع خلاف بين الأصوليين هل هي أدلة شرعية مستقلة بنفسها وحينها فيجوز الاستدلال بها؟ أم أنها راجعة إلى المصادر الشرعية الأربعة المعتبرة ؟
والحق أن الخلاف فيها ليس حقيقيا، لأنه حتى الفقهاء الذين لم يجعلوها أدلة مستقلة استدلوا بها في فروعهم الفقهية (2) .
ويتضح وجه الصواب فيها إذا علمنا مصادر هذه القواعد وأدلة حجيتها وما ثبتت به. والصحيح أن غالب هذه القواعد ثبتت بالكتاب أو السنة أو الإجماع، وما لم يثبت بهذه الطرق ثبت بالاستقراء التام أو الناقص وكلاهما حجة على ما سأبينه.
ومثال ما ثبت بالقرآن"وجوب الوفاء بكل عقد مشروع واحترام ما يلتزم به الإنسان مع الناس"أخذت من قوله تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } (المائدة-1) .
ومثال ما ثبت بالسنة قاعدة"لا ضرر ولا ضرار" (3) وهي بذاتها نص حديث يحرم الضرر بكل أشكاله ويوجب إزالته، ومثلها أيضا قاعدة"كل مسكر حرام" (4)
(1) محمد صدقي بن أحمد البورنو أبو الحارث الغزي: موسوعة القواعد الفقهية 1/32-35.
(2) المحصول 6/161.
(3) رواه أحمد (1/313) وغيره، وصححه الألباني، انظر: السلسلة الصحيحة 1/2/498.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي 14/170.