ومراد من قال بالتخصيص بها، أنها كانت داخلة تحت عموم اللفظ بحسب وضع اللسان العربي فخرجت بدلالة العقل والحس، وهو كما قال الرازي والآمدي خلاف شكلي لفظي، لا على المعنى والفحوى.
يقول الآمدي"دلالات الألفاظ على المعاني ليست لذاتها، وإلا كانت دالة عليها قبل المواضعة، وإنما دلالاتها تابعة لقصد المتكلم وإرادته، ونحن نعلم بالضرورة أن المتكلم لا يريد الدلالة على ما هو مخالف لصريح العقل، فلا يكون دالا عليه لغة، ومع عدم الدلالة اللغوية على الصورة المخرجة لا يكون تخصيصا" (1) .
وبناء على ما تقدم، فلا يصح أن يوظِّف الكتاب أو المفكرون المعاصرون أقوال ونصوص أهل الأصول في جواز تخصيص النصوص بالعقل في غير محلها، فيستنتجوا منها جواز معارضة النصوص مطلقا بالعقل والحس، لما تبين أن جعلها من المخصصات إنما هو من قبيل الاصطلاح وليس من التخصيص الفعلي الحقيقي.
الدليل السادس: التأويل بدليل مذهب الصحابي الراوي
إذا روى أحد من الصحابة حديثا، ثم ثبت عنه من فعله ما يخالف ظاهر الحديث، ولم يكن هناك مجال لتفسير فعله، غير المخالفة الصريحة، فهل يجوز والحال هذه، القول بأن فعل الصحابي الراوي مخصص للحديث ؟، أو أن يعتمد عليه لتجويز مخالفة عموم النصوص؟.
ذهب الرازي والمحققون من أهل الأصول إلى عدم اعتباره مخصصا، وعزا هذا القول للشافعي، وتكلم عليه تحت فصل بعنوان...فيما ظُن أنه من مخصصات العموم مع أنه ليس كذلك...
قال"المسألة الثانية: الحق أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي."
وهو قول الشافعي -رضي الله عنه- لأنه قال: إن كان الراوي حمل الخبر على أحد محمليْه صرت إلى قوله، وإن ترك الظاهر لم أصر إلى قوله …. وذلك لأنه ـ الراوي ـ خالفه بدليل ظنه أقوى منه: إما خبر محتمل أو قياس. وذلك الظن يحتمل أن يكون خطأ، ويحتمل أن يكون صوابا.
(1) الإحكام للآمدي 2/411.