فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 528

وما يقال عن التخصيص بالعقل يصدق في توجيه الرأي القائل بجواز تخصيص العمومات بالحس، والكلام فيهما متقارب وجعلهما بعضهم تحت باب واحد، ومثل لهما بنفس الأمثلة كقوله

تعالى { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } ( الأحقاف/25) عن الريح التي أرسلت على قوم عاد، مع العلم بخروج السماوات والأرض عن ذلك التدمير حسا.

وكقوله تعالى فيها { مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ } (الذاريات/42) مع أنها أتت على

الأرض والجبال، ولم تجعلها رميما بدلالة الحس، فكان الحس هو الدال على أن عموم اللفظ لم يكن مرادا للمتكلم، فكان مخصصا" (1) ."

والحق الذي يجب المصير إليه في مسألة تخصيص العمومات من القرآن والسنة بالعقل والحس هو ما ذهب إليه الشاطبي والآمدي والرازي، وهو أنه ليس من قبيل التخصيص، لأن ألفاظ العموم الواردة في الكتاب والسنة إنما تأتي بحسب الاستعمال الشرعي، فتعم ما قصده الشارع منها فحسب، ولا تعم ما يقع تحتها بحسب وضع الإنسان" (2) ."

فحين أوجب -تعالى- الحج على الناس، فمراده -تعالى- الناس الذين هم مناط التكليف ومحله لا مطلق الناس، والمجنون والصبي غير مراديْن من الخطاب أصلا، وهو الذي يفهمه العربي العادي الذي أنزل القرآن بلغته، وكذا حين أخبر أن الريح تدمر كل شيء، فمفهوم أن مراده تعالى، ما يُدمَّر بالريح الشديدة عادة، والجبال لا تدمر عادة بالرياح، فضلا عن الأرض ذاتها والسماوات.

وإذا لم تكن تلك المعاني والأشياء داخلة أصلا في عموم اللفظ، ولم تكن مرادة للمتكلم، وليس ذلك مما تقضي به لغة العرب، فكيف تصح دعوى التخصيص وهي معاني خارجة عن العموم أساسا ؟؟ وهذا معنى قول من قال بأنه لا تخصيص بالعقل والحس.

(1) الإحكام للآمدي 2/410.

(2) الموافقات 3/270، 3/275-277.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت