وهذه الحكمة التي يجوز التأويل بها يشترط فيها أن تبلغ من الوضوح حدا يترجح معه أن تكون علة (1) ، ولذلك يشترط الشوكاني في التأويل بالقياس أن يكون جليا لا خفيا (2) .
ووضوح العلة هو الذي رجح جواز تأويل الشاه بالقيمة، إذ قوى هذا التأويل ما روي عن أنس في الحديث الذي يبين فيه صدقة الإبل … من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده وعنده حقه فإنها تقبل الحقه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهما" (3) ."
فرجع التأويل هنا إلى التأويل بالقياس - وكانت حكمة التشريع منصوصة ولم تكن تعليلا بالعقل المجرد، لان تعليل النصوص بالعقل المجرد يقود إلى إهدار النصوص وقيمتها التشريعية. وكذلك القول بجواز التسعير فان التأويل فيه اعتمد على حكمة التشريع الواضحة الجلية المنصوصة، فكانت بمنزلة العلة، لان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال في تعليله لرفض التسعير { إني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة } فبين - صلى الله عليه وسلم - العلة والحكمة من عدم التسعير وهي خوف الظلم، فإذا انتفى الظلم وتحقق العدل، فقد وجب التسعير، ولم يعد جائزا فحسب. والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما كما بيناه قبل.
وهكذا يتبين أن التأويل بحكمة التشريع -الواضحة المنضبطة الثابتة- هو تأويل بدليل القياس الذي تثبت علته بدليل شرعي.
2.الأمر الآخر الذي يجب التنويه إليه أن حكمة التشريع لا يجوز أن تكون ذريعة إلى إبطال النص المعلل. لأن (استنباط العلة من الحكم إذا كانت موجبة لرفعه كانت باطلة) كما قال الآمدي (4) .
وذكر في موسوعة القواعد الفقهية القاعدة الأصولية التي تقول (إذا استنبط معنى من اصل فأبطله فهو باطل) .
(1) المناهج الأصولية ص173.
(2) إرشاد الفحول ص177.
(3) صحيح البخاري بشرح العسقلاني 3/371
(4) الإحكام للآمدي 3/79.