فان جاز اعتبارها علة شرعية فقد جاز التأويل بها كالتأويل بعلة القياس الخاص، وإن لم يجز ذلك لم يجز التأويل بها، وقد اتفق كل الأصوليين على جواز تعليل حكم الأصل بالأوصاف الجلية المنضبطة العرية عن الاضطراب (1) .
وأما بالنسبة إلى التعليل بالحكمة فقد اختلف الأصوليون في ذلك: فمنهم من ذهب إلى القول بامتناع تعليل الحكم بالحكمة مطلقا وهو رأي الأكثرين ورده الآمدي، ومنهم من جوزه مطلقا وهو مردود أيضا والصحيح ما اختاره الآمدي وهو جواز التعليل بها بشروط.
وان هناك فرقا بين الحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها والحكمة الخفية المضطربة، فجوز التعليل بالأولى دون الثانية (2) وإنما جاز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة غير المضطربة لأمور منها:
1."لأنا أجمعنا على أن الحكم إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها انه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم بل ما اشتمل عليه من الحكمة الخفية. فإذا كانت الحكمة وهي المقصود من شرع الحكم مساوية للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها، ولأن حكمة التشريع غير المنضبطة ليست حجة فلا يجوز أن تؤول بها الأدلة الشرعية" (3) .
2.لأن الذي يدقق النظر في حجج القائلين بعدم اعتبار حكمة التشريع يتبين له أنهم يريدون حكمة التشريع المجردة، أي المدعاة بالعقل دون أن تكون ظاهرة أو منضبطة، فإذا كانت ظاهرة أو منضبطة فمفهوم كلامهم اعتبارها، لأنها حينئذ تكون مساوية للعلة التي هي وصف ظاهر منضبط. وهنا ترد القاعدة الأصولية الفقهية التي تقول: الأصل أنه يفرق بين علة الحكم وحكمته، فان علته موجبة، وحكمته غير موجبة"، فمرادهم الحكمة المجردة غير المنضبطة."
(1) الإحكام للآمدي 3/288.
(2) نفس المصدر 3/290-295.
(3) المرجع السابق، نفس الصفحات.