وهو ما صرح به الرازي فقال"لأن القياس المخصص للنص يكون فرعًا لنص آخر" (1) . ونجد الشاطبي يرجح هذا الاتجاه ويتفق مع الرازي في هذا التحليل والتحقيق، فقد قال بعد ذكر الخلاف في تخصيص العموم بالقياس:"والمختار أنه إذا كانت العلة الجامعة ثابتة بالتأثير، أي بنص أو إجماع، جاز تخصيص العموم به وإلا فلا، وذلك لأن العلة المؤثرة نازلة منزلة النص الخاص، فكانت مخصصة للعموم كتخصيصه بالنص (2) ."
ولقائل أن يقول أن حاصل المسألة يرجع إلى تخصيص النص العام بالنص الخاص أو بالإجماع ما دام أنه يشترط للقياس المخصص أن تكون علته منصوصًا عليها أو مجمعا عليها. وهو القول الراجح في المسألة، والذي لا يجوز القول بغيره والله تعالى أعلم.
وذلك لأن إطلاق القول بجواز تخصيص عموم الكتاب والسنة بالقياس، يسلَم إلى تقديم الأقيسة على ما فيها من احتمالات ضعف كثيرة على نصوص الكتاب والسنة.
وتجويز معارضتها بها"مع أن العمومات ظاهرة في كل صورة من آحاد الصور الداخلة تحتها، وجهة ضعفها أقل من جهات ضعف الأقيسة" (3) .
ولعله قد يبدو مستغربًا أن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ نقل عنه ما يفيد ضمنًا تقديم القياس على النص العام، وهو ما استنبطه ابن تيميه، وجعله يقول في المسودة بجواز تخصيص عمومات الكتاب والسنة بالقياس (4) .
ولا أظن محقّقًا كابن تيميه يعني بذلك غير ما عناه الشاطبي من التخصيص بالعلة المنصوصة لا مطلقًا.
واستدل ابن تيميه لذلك بمسألة الفار من الولد بالملاعنة بعد الطلاق الثلاث، قياسًا على الفار من الميراث بعد الطلاق الثلاث، فكما يثبت الميراث للمطلقة ثلاثًا في مرض الموت مع أنها ليست زوجة، كذلك يثبت نسب الولد، مع أن الملاعنة يشترط فيها وجود"الزوجية"بنص الآية وظاهرها
(1) المحصول 3/101.
(2) الموافقات 3/426-427.
(3) المصدر السابق 3/427.
(4) المسودة ص119.