ومثاله أيضا، تحريم الربا في الأرز، قياسا على تحريمه في البر والشعير، الذي ورد به نص خاص بجامع أن كلا منهما مكيل، مع أن القول بجريان الربا في بيع الأرز يعارض عموم جواز البيع الذي تحث عليه الآية:
{ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } (البقرة-275) .
والدليل على جواز تخصيص النص العام بقياس النص الخاص، هو أن حكم القياس حكم أصله. فكما أن النص الخاص يخص العموم، فكذا قياسه، فكما أن النص على تحريم الربا في البر، خص عموم حل البيع، فكذا قياس البر في الأرز (1) .
وهنا يثور تساؤل مشروع، وهو أليس في هذا تقديم للقياس على النص وهو من المحاذير التي طالما حذر منها القرآن والسنة وجماهير السلف باعتبار ذلك تقديما للعقل على النقل (2) .
وقد أجاب العلماء عن ذلك، وأزالوا اللبس بما يجلي التخرصات والشبهات ولا يبقي في أيدي المحرفين والمؤولين شبهة يتمسكون بها من كلام الأئمة الأعلام.
وبيان ذلك أن الممتنع، إنما هو تقديم الفرع على أصله، والقياس المقدم على النص ها هنا، ليس فرعًا للنص العام،بل فرع للنص الخاص الذي هو أقوى من النص العام دلالة.
وغير ممتنع، أن يكون فرع الأصل القوي، أقوى من الأصل الضعيف والمسلّم، أن النص الخاص هو المقدم على القياس لأنه يفيد ظنًا أقوى منه، أما أن يكون النص العام يفيد ظنًا أغلب وأقوى من القياس مطلقًا، فذلك غير مسلم.
نعم قد يصح ذلك في القياس الذي علته مستنبطة، أما القياس الذي علته منصوص عليها فلا، فإنه يقدم على النص العام، لأن العلة المنصوصة هي بمنزلة النص الخاص، ومن المقرر أن النص الخاص يقدم على النص العام (3) .
(1) نفس المصدر 3/571،573.
(2) راجع ص 60 من البحث.
(3) شرح مختصر الروضة 3/573.