وستظهر ثمرة هذا المعنى المقرر"وهو عدم جواز معارضة الإجماع بالنصوص"عندما ترى في الباب الثاني اجتهادات نصب أصحابها - أو حاولوا - أدلة من القرآن والسنة على معان وأحكام استنبطوها، هي على خلاف الإجماع الثابت المنقول.
ولما علم أولئك المحرفون أن أكبر عقبة أمامهم للعبث بثوابت الشريعة و أحكامها الأساسية هو الإجماع، لأن تلك الأحكام ثبتت بالإضافة إلى النصوص - بالإجماع. راحوا يشككون بالإجماع ذاته ويثيرون حوله الشبه، من مثل أن فيه خلافا في معناه: هل هو إجماع صحابة أو إجماع المجتهدين. وفي إمكان حصوله، ومدى حجيته. وهل يفيد القطع أم لا ؟ وهل يجوز إحداث إجماع مخالف له في عصر لاحق أم لا ؟ … الخ.كل ذلك ليتسنى لهم هدم أركان الدين و أساساته. ولكن أنى لهم ذلك، وقد ثبتت تلك الأحكام والأسس بأدلة متواترة، فكانت قطعية الثبوت قطعية الدلالة.
الدليل الثالث: التأويل بدليل القياس
ومما يخص به عموم الكتاب والسنة ويؤول به، هو قياس النص الخاص، فيقدم على عموم نص آخر ويخص به.
قال الطوفي"والدليل - دليل التأويل - قرينة أو ظاهر آخر أو قياس …" (1) ، ويكون ذلك كما في غيره عند تعارض النص العام مع قياس نص خاص، وقد مثل له الطوفي بإيجاب الإطعام في كفارة القتل قياسا على إيجابها في كفارة الظهار والصيام..
وذلك لأن الكفارات حقوق لله تعالى، وحكم الأمثال واحد، فثبوت الإطعام في تلك الكفارات تنبيه على ثبوته في كفارة القتل.
وقياس النص الخاص هذا يقدم على عموم النص العام، الذي لم يدل صراحة على وجود الإطعام، ولكنه يحتمل أن يكون واجبا مسكوتا عنه يستنبطه المجتهدون - ولكونه احتمالا ضعيفا، ولكن عضده وقواه هذا القياس القوي، فكان القول بإيجاب الإطعام قويا متجها (2) .
(1) شرح مختصر الروضة 3/564.
(2) نفس المصدر 3/566-567.