ولا خلاف بين العلماء في أن تخصيص الكتاب والسنة حتى المتواترة منها بإجماع جائز، ودليل الجواز هو الوقوع نقلا والمعقول أيضا. فقد ثبت إجماع الأمة على تخصيص آية القذف بتنصيف الجلد في العبد كالأمة (1) .
أي أن قوله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة…. } (النور-4) يفيد
بعمومه إيجاب الجلد ثمانين جلدة على الحر والعبد، ولكن وقع الإجماع على أن القاذف إذا كان عبدا فعليه نصف الحد وهو أربعون جلدة، فهنا صرف العموم إلى الخصوص حيث خص لفظ (الذين) وهو من صيغ العموم إلى الأحرار دون العبيد، وقصر الحكم من ثمانين جلدة إلى أربعين على العبد إذا قذف، وهو تأويل سوغه الإجماع.
وهو الأمر الذي أيده المعقول أيضا لأن الإجماع دليل قاطع، والعام غير قاطع، فإذا نقل الإجماع المخالف للعموم في بعض الصور، علمنا أنهم - أهل الإجماع - ما عدلوا عن عموم النص إلا لاطلاعهم على دليل مخصص وان لم يبينوه لنا، وإلا كان إجماعا منهم على الخطأ، وهو مخالفة النص، وهو ممتنع.
وذلك كما لو اجمعوا على ترك العمل بنص خاص فإنه لا بد أن يكون لاطلاعهم على ناسخ فيكون الإجماع معرِّفا للناسخ لا انه هو الناسخ.
وكذلك الحال هنا فإن المخصص ليس هو الإجماع ذاته بل أنه كاشف عن مخصِّص ومعرِّف له، لا انه هو المخصص بذاته (2) .
وأما الإجماع الثابت المنقول فلا يجوز تأويله وتخصيصه لا بالقرآن ولا بالسنة ولا معارضته بهما، لأنه يستحيل انعقاد الإجماع أساسا على خلاف النص، حتى لو كان خبر آحاد.
قال الرازي"وأما تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة المتواترة فإنه غير جائز، للإجماع، ولأن إجماعهم على الحكم العام - مع ما سبق المخصص- خطأ، والإجماع على الخطأ لا يجوز (3) ."
(1) انظر المحصول 3/81، الإحكام للآمدي 4/419.
(2) الأحكام للآمدي 4/419، وآل تيمية: المسودة في أصول الفقه ص126.
(3) المحصول 3/81، وانظر في التخصيص بالإجماع، شرح مختصر الروضة 2/555.