عمل بالدليلين ولا عكس، ولكنهم اختلفوا في الحكمين المتماثلين إذا أطلق أحدهما وقيد الآخر، وسببهما مختلف ومثاله: تقييد الرقبة في كفارة القتل الخطأ بالإيمان، وإطلاقها في كفارة الظهار، والقول المعتدل - وهو مذهب المحققين منا - والكلام للرازي - أنه يجوز تقييد المطلق بالقياس على ذلك المقيد" (1) ."
وقد يأتي نص يدل ظاهره - حقيقته - على معنى، فيدل دليل آخر على وجوب أو ترجح حملانه على المجاز ومثاله الحديث ( الجار أحق بسقبه ) (2) ، فالجار في هذا الحديث يحمل على الشريك مجازا.
لأن"الجار"لفظ يحتمل معنى الشريك في لغة العرب، إلا انه احتمال ضعيف بعيد فلما ورد حديث صحيح قوي صريح يؤيد هذا المعنى الضعيف رجح هذا الاحتمال على الظاهر وهو المعنى الحقيقي للجار وهو الحديث ( إذا وضعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة ) (3) ، وبهذا يتبين مدى أهمية اشتراط القوة في دليل التأويل، وذلك احترازا من اللعب بالنصوص، و إسقاط دلالاتها بالاحتمالات المجردة فهي لا شيء.
وقد يكون دليل التأويل قرينة متصلة بالنص ذاته ومثاله الحديث ( العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه) إذ استدل به الشافعي على جواز الرجوع في الهبة، لأن الكلب يجوز له الرجوع في قيئه ولا يحرم عليه، فلما ناقشه في ذلك الإمام أحمد- وكان رأيه التحريم.
استدل على حرمته بالقرينة في صدر الحديث وهي ( ليس لنا مثل السوء، الفائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ) فأفاد لغة وعرفا أن الرجوع في الهبة مثل سوء نفاه صاحب الشرع فقدم على قياس الشافعي (4) .
الدليل الثاني: التأويل بدليل الإجماع
(1) انظر المحصول 3/142-145.
(2) صحيح البخاري بشرح العسقلاني 4/437.
(3) صحيح البخاري بشرح العسقلاني 4/436
(4) انظر شرح مختصر الروضة 1/556،564،566، والحديث بهذا اللفظ أخرجه البخاري انظر: صحيح البخاري بشرح العسقلاني 5/235.