والحق فيها ( الفروع ) أن يطلب الأرجح فالأرجح، (ولاشك أن الدليل الضعيف قد يقوى بغيره حتى يصبح أقوى مما كان راجحا) وذلك أمر كما هو مشاهد في المحسوسات فهو متحقق في دلالات الألفاظ، فالمدلول المرجوح إذا عضد بدليل من الخارج فترجحا معا على الظاهر كان ذلك مقبولا بلا خلاف (1) .
والاحتمال المرجوح المقابل للظاهر إذا كان بعيدا عن الإرادة، فيحتاج في حمل اللفظ عليه إلى دليل قوي، لتجبر قوة الدليل ضعف الاحتمال، والاحتمال القريب يكفيه دون ما يكفي الاحتمال البعيد، ولكن وبكل حال يجب أن يكون الدليل مقبولا بحيث يؤثر في ترجيح الاحتمال إياه على
ظاهر اللفظ، وأما إذا كان الاحتمال وسطا بين القوة والضعف احتاج إلى دليل وسط. والأمر في هذا المقام كالميزان.
والغرض من دليل التأويل على الجملة، أن يكون بحيث إذا انضم إلى اللفظ المؤول رجُحِّا على ظاهر اللفظ وقدما عليه (2) .
وستتضح هذه المعاني أكثر - بإذن الله - في الصفحات التالية عند الكلام على أدلة التأويل واحدًا واحدًا. ومهما اختلف العلماء في كون هذا الدليل قويا أو ضعيفا فإنه من المقطوع به أنهم متفقون على أن التأويل بدون دليل أو بدليل مساو، فضلا عن أن يكون مرجوحا، هو إما تأويل فاسد، أو لعب حسب عبارة صاحب جمع الجوامع (3) .
وهو الأمر الذي لا بد من التأكيد عليه هنا - وهو الغرض - من البحث أساسا - ولا بد من اصطحاب هذه الحقيقة واستحضارها لدى محاكمة اجتهادات المعاصرين في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى.
الدليل الأول: التأويل بدليل النص
والتأويل بدليل النص تكلم عليه الأصوليون في"المخصصات"أو مباحث"التخصيص"إذ أن تخصيص العام وتقييد المطلق كما سبق مرارًا هو تأويل لذلك العام والمطلق.
(1) شرح مختصر الروضة 1/562.
(2) المرجع السابق: 1/562،564.
(3) جمع الجوامع 2/88، والتيسير والتحرير 1/143، والشنقيطي سيدي عبد الله بن إبراهيم العلوي: نشر البنود على مراقي السعود 1/264.