إن تلك النظرة الخاطئة إلى الزراعة قد أنكرها أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما سمعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرغب في الزراعة ويحث عليها.
عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن رجلا مر به وهو يغرس غرسا بدمشق فقال: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لا تعجل عليّ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من غرس غرسا لم يأكل منه آدمي، ولا خلق من خلق الله إلا كان له به صدقة» [1] .
التشجيع على الزراعة لا يعني إهمال الواجبات:
إن فضل الزراعة والغرس وإعمار الأرض لا يجوز أن يشغل المسلم عما هو أهم أو يطغى على غيره من الواجبات الأخرى كطلب العلم، والجهاد وغير ذلك.
وعلى هذا تحمل الأحاديث والآثار الواردة في التنفير من اتخاذ الضيعة أو الاشتغال بالحرث والزرع.
فالزراعة كغيرها من المهن -لا يجوز أن يشغل بها المرء عن واجباته الشرعية أو أن يفرط في حقوق الله تعالى، أو حقوق الآدميين من أبناء وبنات وأسرة وغيرهم ممن لهم عليه حق التربية والتعليم، أو أن يستكثر منها بحيث يترك الجمعات والجماعات، وينقطع عن مجالس العلم، ومواطن التذكير، أو يقوده الربح فيها إلى الطمع والشح، وإمساك حق
(1) أخرجه أحمد (6/ 444) والطبراني قال الهيثمي: رجاله موثقون وفيهم كلام لا يضر (مجمع الزوائد 3/ 68) ، قلت: في إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الدمشقي صاحب أبي أمامة وهو صدوق إلا أنه يغرب كثيرا (أنظر التقريب 1/ 450) وفي سماعه من أبي الدرداء نظر والله أعلم.