قرن المسافرين لابتغاء فضل الله تعالى بالمجاهدين إشارة إلى أنهم مثلهم في الأجر"فأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي في الشعب، وغيرهما عن عمر -رضي الله عنه- قال: ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل الله أحب إليّ من أن يأتيني وأنا بين شعبتي جبل التمس من فضل الله تعالى وتلا هذه الآية [1] ."
وقد أنكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على بعض الأئمة إطالتهم الصلاة إذا كان يعرف من حال المصلين أن منهم مرضى، أو عمالا ومزارعين، وأصحاب نواضح ومهن، لا يستطيعون الغياب عنها طويلا.
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: أقبل رجل بناضحين، وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ, فقرأ معاذ سورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل بعد أن قطع الائتمام بمعاذ، وأتم صلاته منفردا، فبلغ ذلك معاذا، فقال إنه منافق فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فشكا معاذا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أفتان يا معاذ، أو أفاتن أنت ثلاث مرات ... » الحديث [2] .
ومن احترام الإسلام للعمل أنه فضله مهما كان حقيرا أو دنيئا على مسألة الناس، لأنها أدنى الدناءات.
نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن بعض السلف قوله:"كسب فيه دناءة خير من مسألة الناس" [3] .
والمقصود بالناس هنا جميع الناس الأقارب منهم، والأباعد، حتى السلطان.
قال أحمد -رحمه الله-"أخذ الأجرة على التعليم خير من جوائز السلطان وجوائز السلطان خير من صلات الإخوان" [4] .
وعلى ذلك فإن السؤال لا يباح إلا في حالة الضرورة القصوى من العوز، أما لو أمكنه العمل في أي نوع من أنواع العمل المشروع، حتى ولو كان فيه شيء من الدناءة، وحط النفس، فإنه لا يجوز له التعرض للسؤال أو مد الأيدي للناس، ولو كان السؤال بأساليب متعددة كالمدح والتعريض وغير ذلك.
الإسلام والفراغ:
كره الإسلام للمسلم أن يعتاد القعود غير المثمر بحيث تتسع مساحة الفراغ في حياته ويضيع وقته فيما لا يعود عليه بخير في معاشه ولا معاده، فإن هذا هو الغبن والخسارة بعينها حتى ولو كان الإنسان ذا ثروة كبيرة، وكفاية في الدنيا.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [5] ونهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عن إضاعة الوقت في الجلسات في الطرقات تلك التي اعتاد الناس أن يجلسوها، ولما اعتذروا إليه بأنهم لا يستغنون عن مثل هذه المجالس وجههم إلى ضرورة
(1) الآلوسي، روح المعاني (10/ 142) .
(2) أخرجه البخاري (الأدب 10515) .
(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (30/ 192) .
(4) مجموع الفتاوى، (30/ 192) .
(5) أخرجه البخاري (الرقاق 11/ 229) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، الغبن: النقص وضعف الرأي (مختار الصحاح 468) .