ولو أخذنا التعريفَ بمعناه العامّ وبعيدًا عن شرح مفرداته ومحترزاته التَّفصيليَّة تبيَّن لنا المقصود؛ حيث إنَّها رُخَصٌ شرعيَّةٌ معتبَرَةٌ جاء بها الشَّارع الحكيم تخفيفًا على المكلَّفين وتسهيلًا للأحكام وتيسيرًا للعمل ودفعًا للمشقَّة والحَرَج؛ فمثلًا: الذي لا يستطيع استعمالَ الماء لعدم القدرة عليه، أو أنَّه لم يجده، أبيح له التَّيمُّمُ بقوله- عز وجل: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43] ، وهي مسألةٌ معلومةٌ مفصَّلةٌ في كتب الفقه.
ومن الأمثلة أيضًا أنَّ القرآنَ الكريمَ نصَّ على أنَّ حكمَ أكل الميتة محرَّمٌ بقوله- تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] ؛ لكن جاءت بعد ذلك الرُّخصةُ الشَّرعيَّةُ المشروطةُ بقوله- تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3] .
قال ابنُ قدامة المقدسي (ت: 620) : «فإن قيل: فكيف يسمَّى أكلُ الميتة رخصةً مع وجوبه في حال الضَّرورة؟ قلنا: يُسَمَّى رخصةً من حيث أنَّ فيه سعةً؛ إذ لم يكلِّفه الله- تعالى- إهلاكَ نفسه ... » [1] .
فهذه الأمثلةُ ونحوُها ممَّا يندرج تحتَ هذا الأصل جاءت بها نصوصٌ عديدةٌ عامَّةٌ من الكتاب والسُّنَّة تؤصِّلُه وتدلُّ عليه؛ مثل قوله- عز وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] ، وقوله- تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «عليكم برخصة الله الذي رخَّص
(1) روضة الناظر وجنة المناظر: (1/ 261) .