الصفحة 39 من 46

ولم يكتفوا بهذا حتى بيَّنُوا آثارَ ذلك ونتائجَه على المستفتي كما ذكر ذلك الشَّاطبيُّ (ت: 790) والنَّوَويُّ (ت: 676) ؛ حيث قالا: إذا أصبح المستفتي في كلِّ مسألة عَرَضَتٍْ وطرأت عليه يتتبَّع رخصَ المذاهب ويتبع كلَّ قول يوافق هواه؛ فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى خلع ربقة التَّقوى والتَّمادي في متابعة الهوى ونقض ما أبرمه الشَّارع [1] .

وما أحسن ما حكاه صاحبُ كتاب زَجْر السُّفَهاء وهو يُصَوِّر الواقعَ في هذه المسألة؛ حيث يقول: «ومن الأبواب التي فتحها الشَّيطانُ على مصراعيها للتَّلبيس على العباد باب: تتبُّع رُخَص الفقهاء وزَلَّاتهم، وخَدَعَ بذلك الكثيرين من جَهَلَة المسلمين، فانتهكت المحرَّمات، وتُركت الواجبات؛ تَعَلُّقًا بقول زيف وتَمَسُّكًا برخصة كالطَّيف.

وإذا ما أنكر عليهم مُنْكرٌ تعلَّلوا بأنَّهم لم يأتوا بهذا من قبل أنفسهم؛ بل هناك مَنْ أفتى لهم بجواز ذلك، يا حسرة على العباد! جاءت الشَّريعةُ لتحكم أهواءَ النَّاس وتهذِّبَها فصار الحاكمُ محكومًا والمحكوم حاكمًا وانقلبت الموازين رأسًا على عقب، فصار هؤلاء الجهلة يُحَكِّمون أهواءَهم في مسائل الخلاف؛ فيأخذون أهونَ الأقوال وأيسرَها على نفوسهم دون استناد إلى دليل شرعيٍّ؛ بل تقليدًا لزَلَّة عالم لو استبان له الدَّليلُ لرجع عن قوله بلا تردُّد ولا تلكؤ.

فإذا نُصحوا بالدَّليل الرَّاجح وطُولبوا بحجج الشَّرع الواضح تَنَصَّلوا من ذلك بحجج واهية؛ وهي أنَّ مَن أفتاهم هو المسؤول عن ذلك

(1) ينظر:"الموافقات"، بتصرُّف: (3/ 123) ، والمجموع (1/ 55) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت