فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 47

الباب الرابع

الشبهات التي أثيرت حول زيارة القبور والرد عليها

يستدل بعض المفتونين بشد الرحال إلى القبور بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [1] .

ويجيب عن هذه الشبهة سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى - مفتي السعودية في زمنه ورئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية فيقول: (هذه الآية الكريمة فيها حث الأمة على المجيئ إليه إذا ظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي، أو وقعوا فيما هو أكبر من ذلك من الشرك أن يجيئوا إليه تائبين نادمين حتى يستغفر لهم - عليه الصلاة والسلام - والمراد بهذا المجيئ المجيئ إليه في حياته - صلى الله عليه وسلم -، وهو يدعو المنافقين وغيرهم إلي أن يأتوا إليه ليعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله ويطلبوا منه - عليه الصلاة والسلام - أن يسأل الله أن يقبل توبتهم، وأن يصلح أحوالهم، ولهذا قال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} ، فطاعة الرسول إنما تكون بإذن الله - يعني - الإذن الكوني القدري، فمن أذن الله له وأراد هدايته اهتدي، ومن لم يأذن الله في هدايته لم يهتد، فالأمر بيده سبحانه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [2] . أما الإذن الشرعي فقد أذن سبحانه لجميع الثقلين أن يهتدوا وأراد منهم شرعا وأمرهم به كما قال تعالى: {يأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [3] ، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [4] ، ثم قال: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ} [5] أي تائبين نادمين لا مجرد قول، {وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} أي دعا لهم بالمغفرة، {لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} ، فهو حث لهم أي العباد على أن يأتوا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ليعلنوا عنده توبتهم وليسأل الله لهم، وليس المراد بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - كما يظنه بعض الجهال، فالمجيء إليه بعد موته لهذا الغرض غير مشروع، وإنما يؤتى للسلام عليه لمن كان في المدينة أو وصل إليها من خارجها لقصد الصلاة بالمسجد والقراءة فيه ونحو ذلك، فإذا أتى المسجد سلم على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى صاحبيه، لكن لا يشد الرحل من أجل زيارة القبر فقط؛ بل من أجل المسجد وتكون الزيارة لقبره - صلى الله عليه وسلم - وقبر الصديق وعمر - رضي الله عنهما - تابعة لزيارة المسجد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» متفق على صحته. وأما ما يتعلق بالاستغفار فهذا يكون في حياته لا بعد وفاته، والدليل على هذا أن الصحابة لم يفعلوا ذلك، وهم أعلم الناس بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وأفقه الناس في دينه، ولأنه - عليه الصلاة

(1) سورة النساء الآية: 64.

(2) سورة التكوير الآية: 29.

(3) سورة البقرة الآية: 21.

(4) سورة النساء الآية: 26.

(5) سورة النساء الآية: 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت