وكان لا يجوز للإدعاء في المملكة بناء على تعميم وزارة الداخلية رقم 16/ 2299 في 14/ 8/1395م أن يتقمص دور الدفاع عن المتهم فيعمل على دحض أدلة الإدانة نفي وإنما عليه أن يلتزم دور الاتهام دائمًا لأنه إن فعل ذلك كان هذا من الدعاوى المقلوبة ويتعارض مع مهمته في الاتهام.
والواقع هو أن الإدعاء العام ينوب عن ولي الأمر النائب عن المجتمع الإسلامي.
والمجتمع كما يهمه إدانة المدان، يهمه ونفس القدر إثبات براءة البريء، وعليه فهو خصم عادل أي أنه إذا ظهر له دليل براءة كتقرير صفة تشريحية يقرر أن المجني عليه في القتل العمد كان متوفي قبل الاعتداء عليه بإطلاق النار لأن الجروح التي بالجثة غير حيوية، أو إذا ظهرت مستندات تدل على أن الحادث كان نتيجة قوة قاهرة أو أنه نتيجة خطأ المجني عليه ولا خطأ من جانب المتهم، وعليه في هذه الأحوال أن يظهر التقرير أو المستندات ولا يدسها لأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته دون ما شك معقول ولأن تبرئ مدانًا بناء على الشك خير من أن تدين بريئًا.
وفي ذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (لأن يخطئ الإمام في العفو(البراءة) خير من أن يخطئ في العقوبة) [1] .
وهذا يسير بالنسبة لحدود القصاص والتعازير. ويلاحظ أن إدانة البريء في حالة الشك يترتب عليه إفلات المجرم الحقيقي وإدانة بريء أما إفلات المجرم في حالة الشك فيترتب عليه إفلات المجرم فقط، وهذا أخف الضررين إذا العدالة تتأذى في الحالة الأولى أكثر من تأذيها في الحالة الثانية.
ولذلك كان الاتجاه الحديث في العالم أنه ليس هناك ما يمنع من أن يترافع المدعى بالبراءة أو يفوض الأمر إلى المحكمة، علمًا بأن دليل البراءة قد يظهر بعد رفع الدعوى إلى المحكمة.
(1) أخرجه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها ويبدأ بلفظ (ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ... ) ، الجامع الصحيح وهو سنن الترمذي لأبي عيسى، محمد بن سورة (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1408هـ - 1987م) ، ج4، تحقيق كمال يوسف الحوت، ص25، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود، رقم الحديث 1424، وقال السيوطي: الحديث صحيح، الجامع الصغير؛ لجلال الدين السيوطي، (بيروت: دار الكتب العلمية، دون تاريخ) ، ص25، حديث 313.