وعن أسامة بن زيد [1] -رضي الله عنهما- قال:"بعثنا رسول الله إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبحنا القوم فهزمناهم، قال ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، قال فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال فكف عنه الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: فقال لي:"يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله"، قال: قلت يا رسول الله، إنما كان متعوذا، قال: فقال:"أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله"، قال فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم" [2] .
وفي رواية قال: قلت يا رسول الله: إنما قالها خوفا من السلاح قال:"أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟"فما زال يكررها حتى تمنيت اني أسلمت يومئذ [3] . ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم الناس أناة وتثبتا، فكان لا يقاتل أحدًا من الكفار إلا بعد التأكد بأنهم لا يقيمون شعائر الإسلام، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-:"أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم ..." [4] .
وكان -صلى الله عليه وسلم- يعلم ويربي أصحابه على الأناة والتثبت في دعوتهم إلى الله تعالى ومن ذلك أنه كان يأمر أمير سيرته أن يدعو عدوه قبل القتال إلى إحدى ثلاث خصال:
1 -الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين.
2 -فإن أبوا الإسلام دعاهم إلى بذل الجزية.
3 -فإن امتنعوا عن ذلك كله استعان بالله وقاتلهم [5] .
ومن تربيته لأصحابه -صلى الله عليه وسلم- على الأناة وعدم العجلة قوله:"إذا أقيمت الصلاة"
(1) هو حب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن حبه أسامة بن زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي أبو محمد مولي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استعمله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جيش فيه أبو بكر وعمر، فلم ينفد إلا في خلافة أبي بكر بعثه إلى الشام، ثم انتقل إلى المدينة فمات بها سنة (54هـ) الإصابة: (1/ 46) سير أعلام النبلاء (2/ 496) .
(2) البخاري مع الفتح: كتاب المغازي باب بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- أسامة (7/ 5891) .
(3) مسلم مع شرح النووي: كتاب الإيمان، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله (2/ 98) .
(4) البخاري مع الفتح: بلفظه مطولا، في كتاب الأذان، اب ما يحقن من الأذان من الدماء (2/ 107) .
(5) مسلم مع النووي: كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها (12/ 37) .